مرايا –
في وقت ما تزال فيه الاقتصادات العالمية تواجه تداعيات موجات التضخم التي تفجرت منذ جائحة كورونا وتفاقمت بفعل اضطرابات سلاسل التوريد والحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع أسعار الطاقة والشحن، والحرب الأمريكية الإيرانية في المنطقة برز الأردن كأحد الاقتصادات التي تمكنت من الحفاظ على مستويات تضخم معتدلة نسبياً مقارنة بالعديد من دول العالم. هذا الأداء يعكس قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص جزء مهم من الضغوط الخارجية والحد من انتقالها إلى السوق المحلية، بما أسهم في الحفاظ على قدر من الاستقرار السعري وحماية القوة الشرائية للمواطنين وتعزيز الثقة ببيئة الاقتصاد المحلي.
التضخم في المملكة أقل من غيره في دول العالم
أشار الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب إلى أن الأردن برز خلال السنوات الأخيرة كواحد من الاقتصادات التي نجحت في الحفاظ على مستويات تضخم منخفضة نسبياً مقارنة بالعديد من دول العالم، وذلك في وقت شهد فيه العالم واحدة من أعنف موجات التضخم منذ عقود نتيجة تداعيات جائحة كورونا واضطرابات سلاسل التوريد والحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتوترات الجيوسياسية وتأثيرات الحرب الأخيرة في المنطقة.
وأوضح الحدب أن الاقتصاد الأردني تمكن من الحفاظ على استقرار سعري ساهم في حماية القوة الشرائية للمواطن وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، رغم التحديات العالمية التي واجهتها الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء.
وأشار الحدب إلى أن البيانات تظهر أن متوسط التضخم في الأردن خلال الفترة 2021-2025 بلغ نحو 2.2 ٪، مقارنة بمتوسط عالمي بلغ نحو 5.2 ٪ وفق تقديرات المؤسسات الدولية، ما يعني أن التضخم العالمي تجاوز نظيره الأردني بأكثر من الضعف خلال هذه الفترة.وبيّن الحدب أن هذه الأرقام تعكس قدرة الاقتصاد الأردني على الحد من انتقال الضغوط التضخمية العالمية إلى السوق المحلية رغم انفتاحه على الاقتصاد العالمي واعتماده على استيراد جزء مهم من احتياجاته من الطاقة والمواد الأولية والغذائية. وأضاف الحدب أن موجة التضخم العالمية بلغت ذروتها خلال عام 2022 عندما وصل متوسط التضخم العالمي إلى نحو 7.9 ٪، في حين سجل الأردن نحو 4.23 ٪* فقط، مؤكداً أنه رغم أن هذه المستويات شكلت عبئاً على الأسر والشركات، إلا أنها بقيت أقل بكثير من المستويات التي شهدتها العديد من الاقتصادات الأخرى، الأمر الذي أسهم في الحد من تآكل القوة الشرائية للمواطنين مقارنة بما حدث في العديد من دول العالم.
وأكد أن أهمية انخفاض التضخم لا تقتصر على استقرار الأسعار فحسب، بل تمتد إلى حماية المستوى المعيشي للأسر، موضحاً أن ارتفاع الأسعار بوتيرة متسارعة يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للدخول، وخاصة لدى أصحاب الدخل المحدود والمتوسط.
وأشار الحدب إلى أن المحافظة على معدلات تضخم معتدلة تمنح الأسر قدرة أكبر على التخطيط المالي والاستهلاك والادخار، وتحد من الضغوط المعيشية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الحياة. وأوضح أن هذا الأداء الإيجابي يعود إلى مجموعة من العوامل والسياسات الاقتصادية المتكاملة، وفي مقدمتها السياسة النقدية الحصيفة التي انتهجها البنك المركزي الأردني، والتي هدفت إلى تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار والحفاظ على النشاط الاقتصادي. وأضاف الحدب أن استقرار سعر صرف الدينار الأردني لعب دوراً محورياً في الحد من انتقال موجات التضخم المستوردة إلى الاقتصاد الوطني، خصوصاً في ظل التقلبات الكبيرة التي شهدتها أسعار الصرف في العديد من دول العالم. وبيّن أن الاحتياطيات الأجنبية القوية لدى البنك المركزي، والتي بلغت نحو 27 مليار دولار مع نهاية الربع الأول من 2026، أسهمت في تعزيز الاستقرار النقدي والمالي، ودعم الثقة بالدينار الأردني، والحد من انتقال الضغوط التضخمية الخارجية إلى الأسواق المحلية.
وأكد الحدب أن هذه الاحتياطيات شكلت خط دفاع أساسياً في مواجهة الصدمات الاقتصادية العالمية والمحافظة على استقرار البيئة الاقتصادية المحلية.
وأشار إلى أن الإجراءات الحكومية الاستباقية ساعدت كذلك في التخفيف من آثار موجات التضخم العالمية، سواء من خلال المحافظة على انسياب السلع الأساسية وتعزيز المخزونات الاستراتيجية أو عبر برامج الحماية الاجتماعية التي استهدفت الفئات الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف المعيشة.
وأضاف الحدب أن آثار استقرار الأسعار لا تقتصر على المستهلك فقط، بل تمتد أيضاً إلى بيئة الأعمال والاستثمار، حيث يبحث المستثمر دائماً عن اقتصاد يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار ويمكن التنبؤ بتكاليفه المستقبلية.
وأكد أن استقرار الأسعار أسهم أيضاً في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، إذ يعد التضخم المرتفع من أكثر المتغيرات الاقتصادية تأثيراً على حياة المواطنين وعلى كلفة ممارسة الأعمال. وأضاف الحدب أن المحافظة على مستويات تضخم معتدلة تمثل أحد أهم مؤشرات الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتعكس قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية والتكيف مع المتغيرات العالمية. وأشار الحدب إلى أن المؤشرات الحديثة تؤكد استمرار هذا الاتجاه الإيجابي، حيث بلغ معدل التضخم خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 نحو 1.88 ٪، فيما يتوقع البنك المركزي الأردني بقاء التضخم عند مستويات منخفضة خلال العام الحالي، رغم استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات الإقليمية وتقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية عالمياً.
وأوضح أنه رغم هذه النتائج الإيجابية، فإن المحافظة على مستويات تضخم منخفضة تتطلب استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز الإنتاج المحلي، ورفع كفاءة سلاسل التوريد، وتقليل الاعتماد على المستوردات في بعض القطاعات الحيوية، إلى جانب توسيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية. وختم الحدب بالقول إن نجاح الأردن في الحفاظ على استقرار الأسعار خلال السنوات الأخيرة يمثل أحد أبرز مؤشرات متانة الاقتصاد الوطني وقدرته على التعامل مع الصدمات العالمية، مؤكداً أن هذا الاستقرار انعكس بصورة مباشرة على المواطنين والشركات وبيئة الاستثمار، وساهم في حماية القوة الشرائية وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.
الاقتصاد الوطني تجنب الارتفاعات العالمية في الأسعار
بدوره قال الخبير الاقتصادي وجدي مخامره. نجح الأردن في الحفاظ على استقرار الاسعار خلال واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في الاقتصاد العالمي منذ عقود، إلا أن قراءة الأرقام تحتاج إلى شيء من التوازن بين الإشادة بالإنجاز وفهم العوامل الكامنة وراءه.
واشار إلى السياسة النقدية الحذرة التي اتبعها البنك المركزي الأردني للحفاظ على استقرار الدينار والسيطرة على توقعات التضخم، بالإضافة إلى وجود آليات دعم وتدخل حكومي للحد من انتقال الصدمات العالمية إلى المستهلك المحلي. كذلك تنوع مصادر الاستيراد ومرونة القطاع التجاري، وقدرة القطاع الصناعي المحلي على توفير جزء من الاحتياجات الأساسية وتقليل آثار اختناقات سلاسل التوريد. ولذلك فإن بقاء التضخم الأردني حول 2% خلال السنوات الأخيرة يعد ضمن المستويات التي تعتبرها معظم البنوك المركزية عالمياً صحية ومستدامة.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه البنك الدولي عن عودة الضغوط التضخمية عالمياً نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين البحري، ما يزال التضخم الأردني دون 2%. وهذا يشير إلى أن الاقتصاد الأردني أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية مقارنة بما كان عليه في أزمات سابقة، وأن أدوات السياسة النقدية والمالية أصبحت أكثر فاعلية في إدارة المخاطر.
وإن أي انفراج سياسي في المنطقة وإعادة فتح الممرات البحرية بشكل كامل قد يؤدي إلى انخفاض تكاليف الشحن والطاقة، وبالتالي تعزيز استقرار الأسعار عالمياً ومحلياً. وأكد مخامره ان الأرقام الحالية تعكس أن الأردن نجح حتى الآن في احتواء الآثار التضخمية للحرب والتوترات الإقليمية، وأن الضغوط السعرية بقيت ضمن نطاق يمكن للاقتصاد التعامل معه.
كما أن تراجع التضخم التراكمي خلال الأشهر الخمسة الأولى، رغم الارتفاع المؤقت في أيار، يوحي بأن الاقتصاد الأردني ما زال يحتفظ بدرجة جيدة من الاستقرار السعري، وهو ما يتوافق مع تقييمات المؤسسات الدولية التي وصفت الاقتصاد الأردني خلال الفترة الأخيرة بأنه يتمتع بقدر ملحوظ من الصمود أمام الصدمات الخارجية.
إجراءات استباقية عززت الاقتصاد وامتصت الصدمات الخارجية
من جانبه أكد الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد عبدالقادر أن محافظة الأردن على متوسط تضخم بلغ 2.2% خلال الفترة 2021-2025 مقارنة بنحو 5.2% عالمياً لا يعود إلى عامل واحد فقط، بل إلى مجموعة من السياسات النقدية والمالية والاستباقية التي عززت قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص الصدمات الخارجية.
وأوضح أن أحد أهم العوامل تمثل في احتفاظ البنك المركزي الأردني باحتياطيات أجنبية عند مستويات قياسية مرتفعة تجاوزت 27 مليار دولار، وهو ما وفر غطاءً مريحاً للمستوردات لعدة أشهر ومكّن المملكة من الاحتفاظ بمخزونات استراتيجية من العديد من السلع الأساسية. وقد منح ذلك الحكومة والقطاع الخاص الوقت الكافي للبحث عن مصادر توريد بديلة وأقل تكلفة بدلاً من نقل الارتفاعات المؤقتة في الأسعار العالمية مباشرة إلى المستهلك المحلي. وأشار إلى أن ربط الدينار الأردني بالدولار الأمريكي لعب دوراً محورياً في الحد من الضغوط التضخمية المستوردة، حيث أسهم في استقرار سعر الصرف وخفض مستويات الدولرة مقارنة بالعديد من الاقتصادات الناشئة. كما حدّ من حاجة التجار إلى إضافة علاوات تحوط مرتبطة بمخاطر تقلبات أسعار العملات عند تسعير السلع المستوردة، الأمر الذي انعكس إيجاباً على استقرار الأسعار المحلية. وأضاف الدكتور عبدالقادر أن السياسة النقدية المتحفظة للبنك المركزي الأردني أسهمت كذلك في كبح جماح التضخم، حيث تم رفع أسعار الفائدة خلال الفترة 2020-2025 بنحو 350 نقطة أساس، مع المحافظة في الوقت نفسه على جاذبية الادخار بالدينار من خلال فارق فائدة مناسب مقارنة بالدولار بلغ نحو 175 نقطة أساس، ما ساعد على استقرار الودائع والحد من الضغوط على سعر الصرف والأسعار. وأشار عبدالقادر إلى أن التدخلات الحكومية لعبت دوراً مهماً في حماية المستهلك من موجة التضخم العالمية، سواء من خلال تثبيت أو تخفيف أثر ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية والمشتقات النفطية، أو عبر برامج الدعم والحماية الاجتماعية التي استهدفت الفئات الأكثر تأثراً، ما ساعد على الحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى السوق المحلية. وفي الوقت نفسه، بيّن أن المقارنة مع المتوسط العالمي يجب أن تؤخذ بحذر، إذ إن المتوسط العالمي تأثر خلال السنوات الأخيرة بوجود عدد من الاقتصادات التي سجلت معدلات تضخم استثنائية مرتفعة.
وأكد أن نجاح الأردن في المحافظة على معدلات تضخم منخفضة مقارنة بالمتوسط العالمي يعكس قوة الإطار النقدي والمالي للمملكة، ويعزز الثقة بالاقتصاد الوطني، إلا أن المحافظة على هذا الإنجاز تتطلب استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد والطاقة بما يرفع قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية مستقبلاً.