عمر كلاب 

رغم انتمائي للمنهج الماركسي في التحليل وتفسير الاشياء, الا انني من انصار المدرسة الغربية في التعاطي مع الملفات المحلية وقت الازمات, ولست من انصار مثلث الموانع التقليدية, التي تميل بالعادة الى تبريرات “مش وقته, ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة, او سلطة المقاومة وتعبيراتها الشارعية”, ومنذ التفاعل والتعامل مع ملف السياسة الخارجية, وانا يراودني سؤال مفاده, اين وزارة الخارجية الاردنية؟ فالسياسة الاردنية الخارجية مربوطة بيد الملك والقصر, ووزير الخارجية بمثابة سكرتير للملك في السياسة الخارجية, وكثيرا ما شاهدنا كيف ان علاقة وزير الخارجية بالفريق الحكومي فاترة, وكذلك العلاقة مع رئيس الحكومة التي تكون بالعادة ملتبسة وغامضة, وكان اصدق من مارس تظهير هذه العلاقة, رئيس الوزراء الاسبق عبد الكريم الكباريتي الذي احتفظ بوزارة الخارجية لنفسه بالاضافة الى وزارة الدفاع البرتوكولية.

وزارة الخارجية الاردنية لم تعرف الاستقرار الا في العقد الاخير, وما قبل كانت مثلها مثل اي وزارة خدماتية, يرحل وزيرها برحيل الحكومة, لكن استقرار الوزير في العقد الاخير, لم ينعكس على تظهير دور وزارة الخارجية, التي باتت اقرب الى مركز ادارة الازمات الخارجية وليس وزارة حارجية بالمعنى السياسي والسيادي, ومؤخرا ولمهارة ذاتية عند الوزير ايمن الصفدي, اصبح بالاضافة الى الموقع السابق الناطق الرسمي باسم السياسة الخارجية, فالرجل يتمتع بقدرة خطابية بليغة ولغة اجنبية سليمة, أهلته لشغل هذا الدور بمهارة فائضة, لكنها لم تمسح العوار عن الفكرة الحقيقية وهي غياب وزارة الخارجية بالمعنى الاحترافي, والاتكاء على حضور الملك و ثقل علاقاته دون البناء عليها لتكريس حضور الدولة ومؤسساتها.

منذ دخولنا عصر الالفية الثالثة, ونحن ندير ازمات سياسية خارجية, في الملف الفلسطيني والعراقي والسوري, وتلك الملفات ليست مؤثرة على الدولة الاردنية فقط, بل هي بمثابة ملفات داخلية اردنية بحكم حجم الصداع الذي تحدثه في الرأس الاردنية, ومع ذلك لا نتعامل بعقلية محترفة معها, فنحن فقدنا كل عناصر التأثير في تلك الملفات, فالسياسة الخارجية قوتها تبرز في حدائقها الخلفية,ونذكر جيدا عدد واتساع الحدائق الخلفية الاردنية في ازمنة سابقة, وبلغت المهارة السياسية الاردنية, حدّ دعم الفكرة ونقيضها, ونذكر ان حماس الحركة كانت في الحضن الاردني, وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية وزعيمها الراحل ياسر عرفات, كذلك المعارضة العراقية كانت بين ظهرانينا, مع احتفاظنا بعلاقة اكثر من حميمة مع العراق البعثي, وكانت العلاقة مع سورية البعث تتراوح بين الحميمية والطبيعية والفاترة مع وجود الاخوان المسلمين السوريين على اراضينا.

قوة الدولة تكمن في قدرتها على ادارة التناقضات, ونحن كانت قوتنا في ادارة التناقضات بمهارة وبامتلاك اوراق ضغط, فقد كانت العلاقات مع الحدائق الخلفية واسعة وثرية, من ايران الى اثيوييا ومن بغداد الى بلغاريا, ولم تتأثر هذه الحدائق بالاقتراب او الابتعاد عن السلطة القائمة في تلك الدولة, وكان الامني مسؤول عن ملفه الامني, قبل ان يدخل الى المجال السياسي ربما في منتصف التسعينيات مع الكباريتي عبد الكريم والباشا سميح البطيخي مدير المخابرات العامة في ذاك الوقت, ولعل هذا الدخول تحول من تناغم الى شراكة قبل ان يتحول الى تفوق امني على السياسي, فوصلنا الى حالة ادارة الازمات بدل التفاعل والتأثير, ولعل ما نراه اليوم ونحن نشهد حالة انتقالية في الاقليم, ستظهرّها نتيجة المعركة القادمة بين المقاومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس وبين دولة الاحتلال الاسرائيلي, نشعر بمدى اثر غياب الحدائق الخلفية وضررها على السياسة الاردنية التي تمتلك كل عناصر القوة لكنها لا تمتلك القدر الكافي من التأثير, فنحن الاكثر فهما ووعيا ومعرفة ولكننا الاقل تاُثيرا.

omarkallab@yahoo.com