د. مهند العزة

 

“The only vice that cannot be forgiven is hypocrisy. The repentance of a hypocrite is itself hypocrisy.”
الرذيلة الوحيدة التي لا تغتفر هي النفاق. إنّ توبة المنافق في حدّ ذاتها نفاقا.”
مقولة الكاتب الأمريكي تينيسي وليامز هذه تعبّر عن بشاعة رذيلة النفاق التي احترفها عدد من المصنّفين من النخب والمثقّفين الذين يفترض فيهم أن يكونوا في الصفوف الأماميّة لمحاربة التملّق والنفاق بأشكاله كافة، خصوصاً النفاق السياسي الذي فقدَ كثيراً من أقنعته التي كان يتستر خلفها المنافقون المتملّقون، فباتوا اليوم مكشوفي الوجه عراة الصدر دون استشعار الخجل من ممارسة التملّق، مكتفين بتلبيسه مسميات مقعّرة أو عاطفيّة مثل: “برغماتية… مراجعة… فضيلة العودة عن الخطأ…”.
التأثير العشوائي الذي يلعبه غوغاء العالم الافتراضي على بعض قرارات الدولة وتصريحات بعض مسؤوليها ممن يسهل استفزازهم وابتزازهم، أفقد عدداً ممن يحاولون التعلّق بأهداب “النخب السياسيّة أو الأكاديميّة أو المثقّفة” توازنهم، فأغواهم ثمّ أغراهم لتبني منهج “ما يطلبه المستمعون” في ما يكتبونه في الصحف والمواقع أو ما يبثّونه عبر قنواتهم على يوتيوب وصفحاتهم على فيسبوك، في محاولة لبناء هالة من التأييد يمكنها رفع تصنيفهم من الطامحين إلى الطامعين ومن المتفرّجين إلى اللاعبين.
آخر “اللا أدريين (Ignostic) السياسيين” المتملّقين الذي لم يحسم موقفه ربما انتظاراً لحسم موقعه، لم يجد غضاضةً في نزع ثوب الأكاديمي والمحلل السياسي الذي اعتاد ارتداءه على الرغم من أنّ مقاس الثوب “XXL” بينما مقاسه “X small”؛ وهو يطل على متابعيه في كل حدث وحادثة؛ ملبيّاً طلباتهم مقدِّماً لهم وصلات ديماغوجيّة ملؤها التضليل والتعميم؛ تغذّي العنصريّة والعصبيّة التي كانت موضة وترند الربع الثاني من هذه السنة ، حيث كان ذلك واضحاً من خلال إعلان موقفه من “قضية الفتنة” التي قفز وهو يتناولها بـ “التحليل” إلى “نتائج” مغرضة مؤداها كما جاء على لسانه: “أنّ هناك التفاف شعبي حول الأمير حمزة” ودليله الوحيد على ذلك كان التغريدات والهاشتاغات المؤيّدة التي لا يساور أي متابع مبتدئ شكّ في أنّ كثير منها موجّه وسرعان ما تتلاشى وهو ما حدث فعلا وتلاشت معه “تحليلاته” ومواقفه المرّة التي كان يغلّفها بطبقة من الكراميل رديء الصنع، والأمر نفسه بالنسبة لقضية النائب السابق أسامة العجارمة الذي اعتبره في رعونة سياسية منقطعة النظير “رمز وبطل وحالة وطنية…”، وأخيراً وليس آخراً تصدّيه للتعليق على الحالة الجدليّة التي أثارها تصريح وزير الري حول سرقة المياه في منطقة جنوب عمان، إذ ترك مضمون التصريح وجوهر المشكلة وتناول الرجل بوابل من وصلات الردح العنصرية المقيتة ناسجاً خيوط مؤامرة “للنيل من العشائر” ملبيّاً بذلك طلب مستمعيه في تلك الفترة التي كان الاستقطاب على أشدّه والعنصريّة في أوجها، هذا بخلاف أمواج التضليل والتسويف المتلاطمة التي أغرق بها متابعيه حول عدد من قضايا الشأن العام، ليختتم سلسلة حلقات مسلسل “مشاغب وتارك الباب موارب “؛ برسالة لجمهوره “يطمئنهم” أنه لن يتاجر ولن يساوم به لقاء منصب أو مكسب”! تاركاً في الباب فُرجةً صغيرة؛ حيث أكد لمن يهمه الأمر أنّه “ليس معارضاً ولا مناوءً للدولة وإنما مجرد محلل وناقد”، لينتهي المطاف به عضواً في لجنة الإصلاح ممثلاً بالفطرة للتيار اليميني المتشدّد المتثيقِف بعد أن علّق على بابها بدلة الحداثة ساحلة الأكتاف والبنطال التي كان يرتديها في المناسبات مبقياً على ربطة العنق ذات اللون والتصميم النمطي التي لا يستطيع التخلص منها حتى لو أراد، ثمّ ها هو ذا يستيقظ من سباته القصير مالئاً الفضاء بالزئير، محاولاً إحكام قبضته على منتصف العصا إلى أن يرى أين تقذف به الريح.
تزايد عدد المتملّقين المتسللين إلى الوسط النخبوي والثقافي لغايات وصوليّة، مع ارتفاع أعداد الراغبين في الهجرة من معسكر الرصد والنقد البناء إلى معسكر المغرّدين داخل السرب أو الانضمام إلى تحالف “مطرح ما ترسي دُقّلها”، ينذر بحالة عميقة من الجمود ثمّ التجمّد التي يغدو معها إلقاء حجر لكسر الجليد خطيئةً وجريمة، لذلك فإنّ اختفاء طبقة المثقّفين والتنويريين الحقيقيّين من المجتمع لا تقلّ خطراً عن ذوبان الطبقة الوسطى التي يحذّر منه الاقتصاديون، إذ يفضي كلا الأمرين إلى اتساع الهوّة بين مكونات المجتمع وتغوّل قوى المال والتطر…