بهدوء 
عمر كلاب
لا يجوز ان نسمح لتيار موتور او يحمل هواجس بمكاسب, ان يُغلق الحوار الذي انفتح مع تشكيل اللجنة الملكية لمراجعة القوانين الناظمة للحريات والعمل السياسي في الاردن, فلا يمكن ان ينتصر اعداء الديمقراطية والحوار الوطني, باسكات الضرورة الوطنية بحسم جدل الهوية, مع ارتفاع الهويات الفرعية, السبب الرئيس لكل اختلالات الحياة السياسية والاقتصادية في الاردن وحتى الاختلال الاداري, لانها ببساطة تعتدي على مفهوم الكفاءة والعدالة.
الهجوم الشرس الذي شنه موتورون, دون مراجعة او قراءة الافكار المطروحة, مفهوم ومبرر, فتلك العقول لا يمكن لها ان تحقق مصالحها الا في فضاء العتمة, ولا يوجد عتمة اكبر من الانغلاق الفكري, واسكات اي صوت يسعى الى فتح النوافذ للهواء الجديد, فالمكاسب سوف تنتهي والمحاصصة ستبقى هي الحاضرة, والمحاصصة تصب في مجرى مصالحهم الضيقة.
فهل يعقل بعد مائة عام من عمر الدولة السياسي, ان تكون المحاصصة هي المعادلة المقبولة, فلا نستطيع تعيين مدير ادارة خدماتية او مدير مستشفى من خارج المحافظة التي يقع فيها هذا المستشفى او تلك المديرية؟ وهل مقبول ان نبقى ممسكين بالقلم لنحصي اعداد النواب والاعيان والوزراء حسب المنبت والاصل ومسقط الرأس؟ في زمن يسير فيه العالم كله, نحو اعلاء التمثيل السياسي والكفاءة الوطنية.
ربما غضب كثيرون من مستوى الحوار, الذي نجح الموتورون في جرّه الى خانة ضيقة, بسبب صمت التيار الواسع من الشعب, امام قدرة هذه الفئة القليلة على صرف التهم والاتهامات, فاختار كثيرون الصمت او التعليق على الجروبات المغلقة ورسائل الواتس اب, لكن ذلك لا يحقق تقدما ولا يبني مجتمعا على اسس سليمة, يلجأ الى إخفاء المشاكل والعيوب بدل مواجهتها.
الهوية الوطنية الاردنية, قوية وصلبة, وقوتها تتجذر كل يوم بفعل منطق الدولة, الذي نجح في بناء مجتمع يتوحد مع الصدمات والاخطار, لكنها اليوم معنية بتوحيده في كل الاوقات, وهذا يوجب علينا ادراج تدريس مادة خاصة في المدارس والجامعات عن الديمقراطية وقبول الآخر, فخلال سنوات عشر على الاكثر سنتمكن من بناء دولة اكثر قوة وديمقراطية وسنبني احزابا اردنية خالصة, فالمنهاج هو الذي يمكننا من تشكيل ثقافة سياسية تقبل الرأي والرأي الآخر, بعيدا عن مهاترات التهم الجاهزة والمعلبة.
السنوات العشر هي فترة قصيرة في عمر الدول والشعوب, بل قصيرة جدا, وعلى اللجنة الملكية, السعي نحو تأصيل الثقافة الديمقراطية في المجتمعات من البواكير,خصوصا وأن الدولة تسير نحو مشاريع عابرة للمحافظات, ومشاريع بنية تحتية تحتاج الى اعمار البشر بالتزامن معها, فهذه المشاريع ستخلق بالضرورة فهما مجتمعيا واسعا, وستحقق المزج المطلوب بين كل التكوينات الاجتماعية, كما كانت تفعل خدمة العلم في سنوات سابقة.
ما جرى صحي بكل المقاييس, لانه كاشف لكل مستويات التفكير في المجتمع, وحتى لا نكون قساة على انفسنا وعلى اصحاب الرأي الموتور ايضا, فقد اغفلنا كدولة ومجتمع ادوات الحوار الحي واسقطنا المكاشفة الواعية والحرة, بل ومارست السلطة عبر الحكومات المتعاقبة, اشكالا من التطرف حيال الآخر, واسككت بالتخويف والتوقيف تارة وبالاحتواء والابتزاز تارات, كل المخالفين والمعارضين.
الملك ومن خلال اللجنة الملكية نجح في تمهيد الطريق للديمقراطية, مع اختلافنا على بعض التفاصيل مع اللجنة, لكن الواضح ان الدولة ورأسها قد اتخذا قرارات مصيرية بالسير نحو الديمقراطية وبناء الانسان على اسس سليمة, ويبقى المنهاج التربوي الذي هو اساس بناء الفرد منذ الصغر على مفاهيم ديمقراطية ستتأصل معه عندما يكبر.
omarkallab@yahoo.com