مرايا : “أنا لا أعرف الكاتيوشا، ولا أعرف الغراد ولا الـ” أر بي جي”، ولكني أحسست مثل أي فيل فلسطيني يريد أن يدخل إلى مكان هذه القبيلة من الفيلة ويموت معهم، أريد أن يشعر المقاتل أن شاعرا يقف معه، وإلا كيف نحن شعراء ثورة، وشعراء مقاومة؟ ولذلك كانت تصدر ثلاث جرائد “فلسطين الثورة” و”المعركة” و”الرصيف”، هذه الجرائد أصبح وثائق حضارية من وثائق الصراع ضد العدو”. معين بسيسو 1983.

يصادف اليوم، الثالث والعشرون من كانون الثاني، الذكرى الـ37 لرحيل الشاعر والكاتب المسرحي الفلسطيني معين بسيسو (1946 غزة – 1984 لندن)، الذي قدم أكثر من أربعين عملاً أدبياً، وكتب في أصعب ظروف النضال والتاريخ الفلسطيني، قصائد ثورية وكلمات باقية.

في حواره مع جريدة “فلسطين الثورة” بتاريخ 26 شباط 1983، يقول بسيسو: لا أعتقد أن يمكن الفصل بين الهموم الوطنية والسياسية لأي شاعر حقيقي، وبين همومه ومواجعه الشعرية، فالشاعر يستمد مقومات وجوده السياسية، والشعرية، من مدى ارتباطه الواعي، والتزامه المبدئي بالقضية الكبرى التي ناضل من أجلها، سواء أكانت هذه القضية بالنسبة للمناضلين الشعراء الفلسطينيين قضية الثورة وقضية الأرض أم كانت بالنسبة للشعراء الذين يناضلون من أجل تحرير أرضهم وشعبهم، من نير الطغاة والدكتاتوريات العسكرية، أو الذين يناضلون في سبيل تثبت وتطوير القيم، والمثل الاجتماعية المتقدمة.

هؤلاء يجتمعون في قرية واحدة، أو في دائرة واحدة، هي دائرة النضال في سبل الحرية والتقدم والعدالة، والشاعر الفلسطيني له تلك الخصوصية، ليس بمعنى أنه يعيش في جزيرة “روبنسون كروزو” المعزولة، ولكن لأن القضية الفلسطينية بعد ثورة فيتنام وانتصارها التاريخي على الإمبرياليتين الاميركيين، أصبحت الآن إحدى السمات الرئيسية في وجه حركة التحرير العالمية، ولها ظروفها الخاصة.

وقال بسيسو: اذ نظرنا إلى الخريطة السياسية والأدبية للشعب الفلسطيني خلال السنوات العشر الأخيرة، وبالذات خلال حرب المقاومة الوطنية الفلسطينية ضد العدوان الأمريكي -الإسرائيلي، هنالك شعر مقاومة، ليس بالمعنى الأدبي المجرد، ولكن بالمعنى العلمي التجسيدي.

في السابق كنا نقرأ اشعار المقاومة الفرنسية والاسبانية والتشيلية، ونقوم بترجمتها إلى لغتنا (وما أكثر قصائد المقاومة التي نشرت بمختلف الأدبيات الثورية”. كنا رد الفعل أو مترجمين للفعل، الذي هو الابداع بالنسبة إلى الشعراء الذي قاوموا الفكرانكوية أو النازية ومختلف صور أشكال الطغاة وسلالهم.

واضاف: الآن، وللمرة الأولى، يكون هنالك شعر للمقاومة، شعر يرتبط بالمقاتل، هناك صحف للمقاومة، ضد الدبابة الاحتلال الاسرائيلية، للمرة الأولى تكون هنالك ندوات شعرية يقيمها شعراء فلسطينيون في خنادق ومتاريس المقاتلين، ويسقط شاعر فلسطيني اسمه علي فودة وهو يوزع جريدة الرصيف، يكتب محررو “فلسطين الثورة” تحت القصف، كما في جريدة “المعركة”.

وفي سؤال لـ”فلسطين الثورة”: أنت معروف عنك أن الحدث يلازمك ويفجرك لحظا، أي بمعنى آخر أنك أثناء الحدث تكتب، وهذه ميزة؟ فأجاب بسيسو: صحيح أن الأحداث تفجر المرء وتفرض عليه شكلا معينا من الكتابة، وهذه مشكلة نوقشت في الكثير من الدوائر الأدبية في العالم كله، فحينما تكون هنالك مواجهة مع العدو الوطني والطبقي! ما هو شكل الكتابة؟ ما هو شكل التعبير؟ هل تكتب المقالة القصيرة؟ كيف تواجهه؟ هل تواجهه برواية طويلة؟ وأنت والقصف فوق رأسك، وتنتقل من بيت إلى بيت، ومن غرفة نوم إلى غرفة نوم، ومن متراس إلى متراس.. هذه القضية واجهت شعراء المقاومة في فرنسا. كان هنالك احتلال نازي يومي، وهنالك نضال يومي، تضحية يومية، هنالك دم يسيل كل ثانية، كيف تفعل أنت؟ ما الذي يجب أن تقدمه؟ ما هو دورك كشاعر أو كفنان؟ الرسام يمكن أين يرسم على حائط، الشاعر ما هو دوره؟ هل دوره أن يجلس، ينتظر ويختزن، كما الجمل يختزن في معدته الطعام، ثم حينما تنتهي المعركة يكتب لملحمة؟ ما قيمة هذه الملحمة والعدوان انتهى؟.

وأين كان الشاعر خلال هذه المعارك؟ ما الذي قدمه للثورة؟ ما الذي قدمه إلى المقاتلين لكي يقول أنا معكم؟ أنا قلت للأخ ابو عمار عندما سألني قائلا: أنت كنت خارج الحصار فلماذا اقتحمت الحصار وأتيت؟ أنا لا أعرف الكاتيوشا، ولا أعرف الغراد ولا ال أر بي جي، ولكني أحسست مثل احساس أي فيل فلسطيني يريد أن يدخل إلى مكان هذه القبيلة من الفيلة ويموت معهم، أريد أن يشعر المقاتل أن شاعرا يقف معه، حتى لو لم أكتب، أريد أن أعطي هذا الشعور، وإلا كيف نحن شعراء ثورة، وشعراء مقاومة؟ ولذلك كانت تصدر ثلاث جرائد “فلسطين الثورة” و “المعركة” و “الرصيف”، وكان هنالك كتابة يومية، أشعار يومية، مقالات يومية، ريبورتاجات يومية، عن المقاتلين، هذه الجرائد أصبح وثائق حضارية من وثائق الصراع ضد العدو.

في إحدى مقالاته حول معين بسيسو، يتذكر الشاعر عز الدين مناصرة، صديقه بالقول: شارك معين بسيسو مع فدوى طوقان في بدايات حركة الشعر العربي الحديث، وكانت نماذجه في الشعر العالمي، هي: ماياكوفسكي، ونيرودا، وناظم حكمت.

ظلّ معين، شاعراً محظوراً طيلة الخمسينات والستينات لأنه شيوعي فلسطيني، وحين كانت موجة العداء للشيوعية، تعمّ الوطن العربي بأسره، ظل معين يجاهر بشيوعيته ويفخر بها، مما أكسبه مزيداً من الأعداء والأصدقاء.

ويضيف مناصرة: كنا نخاطبه بنفس (لهجته الغزّاوية) المحببة الأصيلة، التي لم يتخلّ عنها حتى الرمق الأخير، كنا نمازحه وكأنه شاب في العشرين. وكان هو يحرص على مظاهر الشباب: الأناقة والقمصان الملوّنة والحذاء اللامع وانشغال القلب بقصص الحب الحقيقية والوهمية. كان يطرب عندما نمتدح شبابه المتجدد.

ومنذ العام 1974، انضم إلى الإعلام الفلسطيني الموحد، ونشر قصائده في مجلة (فلسطين الثورة)، وأذاعها في اذاعة صوت الثورة في بيروت، ووزّع قصائده عن طريق وكالة (وفا) للأنباء الفلسطينية، بتشجيع من الشهيد ماجد أبو شرار (مسؤول الإعلام الفلسطيني الموحد) آنذاك، وظلّ عضواً في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، وكان مقرباً من القيادة السياسية لحركة فتح (ياسر عرفات- أبو إياد- ماجد أبو شرار) بشكل خاص، وكرّمه ياسر عرفات مع محمود درويش، بمنحهما (درع الثورة للفنون والآداب) في السبعينات، وظلّ معين، صوت الثورة الجهوري ضد أعداء الثورة.

ازدهر معين بسيسو خلال حصار بيروت، فهو شاعر المفاصل التاريخية، وكان محرضاً رائعاً بحماسه المعروف، خصوصاً في كتاباته في جريدة “المعركة”، بل وعاد شاباً متحمساً كأنه يقود تظاهرة في غزة، وكنا نحرص على تشجيعه واحترامه، ولم يكن هو بحاجة لذلك، فقد كان مواظبا على حضور جلسات تحرير جريدة “المعركة” كل يوم، وكتب إضافة إلى مقالاته المنشورة باسمه الصريح، مقالات بأسماء مستعارة في “المعركة” (باسم)، وذلك منعاً لتكرار الاسم أكثر من مرة.

ولكن معين – في كل ما كتب – ظلّ يخاطب التاريخ، فكأنه كان يفكر بالتاريخ عند كتابته لأي مقال أو قصيدة، كما ظلّ معين مرناً في علاقاته الداخلية في الثورة. تولى رئيس تحرير (مجلة اللوتس)، الناطقة بلسان اتحاد الكتاب آسيا وإفريقيا، بترشيح من الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وكان مقرها بيروت، ثم انتقلت معه إلى تونس، وشارك معين في هيئة تحرير (جريدة المعركة) في حصار بيروت عام 1982، وغادر بيروت في اليوم الأول للخروج على ظهر سفينة – إلى قبرص، ثم إلى القاهرة، ثم أقام في تونس، حتى وفاته بنوبة قلبية أثناء زيارته الأخيرة للعاصمة البريطانية عام 1984.