يهدوء
عمر كلاب
ستجد السلطة دوما من لا يقنع بروايتها, وهذا بفعل يدها, لكنها مطالبة اليوم اكثر من اي وقت مضى بالعمل على رفع منسوب الثقة, ولعل في الصور المنشورة للمتهمين بقضية الفتنة عبرة لها, فرغم شلال الصور المتحركة والثابتة, الا ان اصوات المشككين تجد من يستمع, فالسؤال كان اين بطل قضية الفتنة, وهل تم تهريبه خارج البلاد؟ وبعد ظهوره مكبلا, جاءت اسئلة اخرى تشكك الى درجة اختراع شبيه او وصف جلسة المحكمة بجلسة عتاب اكثر منها محكمة, وكل هذه الاسئلة مبررة, في ظل الرواية المنقوصة والمفكفكة في بداية الفتنة.
لن أدخل في الشق السياسي او القضائي, للفتنة وتوابعها, لكن يجب التوقف طويلا امام موجة التعليقات التي صاحبت الصور القادمة من الجلسة الاولى للمحكمة, وكانت الشماتة ابرز ما ظهر على مواقع التواصل الاجتماعي وتعليقات الرأي العام او قيادات سياسية وقانونية, لكن تغريدة من الصديق سمير الحياري ناشر موقع عمون, استوقفتني, حيث يقول الحياري فيها: تدور الحياة, ثم يصاب كل شامت بما شمت, وتغريدة الباشا كما يحلو لنا مناداة الحياري, فيها بعض صواب, تحديدا للطبقة السياسية التي جلست على مقاعد المسؤولية, ولا تنطبق على كثير من الناس التي عانت ويلات تلك المرحلة وكاتب هذا المقال منهم, حيث قضيت ثلاثة اسابيع في منتجع الجويدة بتهمة اطالة اللسان على المقام السامي في العام 2006, وكل ما فعلته انني نشرت سلسلة تقارير صحفية عن خطر حزمة الامان الاجتماعي ومقال يهاجم بيع اسهم الفوسفات, لكن كانت الحقبة محكومة وممسوكة برجلين هما الآن في السجن.
معاذ الله ان اشمت, ولكنني اكتفي بهذه القصة المروية عن كليم الله موسى عليه السلام, ففيها ما يكفي لعموم الناس, كي يوقنوا ان الله لا يظلم العبيد احقاقا لقوله تعالى “وما ربك بظلام للعبيد”.
 خرج موسى عليه السلام يوماً لمناجاة ربه سبحانه ثم سأل ربه قائلاً: يا رب، كيف يأخذ الضعيف حقه من القوى؟ قال له ربه سبحانه: اذهب بعد العصر إلى مكان كذا فى يوم كذا لترى وتعلم كيف يأخذ الضعيف حقه من القوى. ذهب موسى إلى المكان فرأى شلالاً من الماء يخرج من جبل. جلس موسى ينظر متفحصاً متأملاً، فإذا بفارس يأتى راكباً ناقة له يريد الماء، نزل الرجل عن ركوبته وخلع حزامه الذى كان يعيق حركته أثناء وروده الماء ووضعه على جانب قريب منه، شرب الفارس واغتسل ثم انصرف ناسياً حزامه الذى وضعه فى مكانه.
 جاء غلام صغير راكباً حماراً إلى شلال الماء، واغتسل وشرب أيضاً، ثم حمد الله تعالى، وعندما أراد الانصراف وقعت عينه على حزام الفارس الذى كان قد نسيه بجوار شلال الماء، فتح الغلام الحزام، فإذا هو ممتلئ بالذهب والأموال والمجوهرات النفيسة، أخذه وانصرف. وبعد ذهابه بقليل، أقبل على الماء أيضاً شيخ عجوز ليشرب ويغتسل، وبينما هو كذلك، جاء إليه الفارس الذى نسى حزامه عند شلال الماء مسرعاً، يبحث عن حزامه فلم يجده، سأل الفارس الشيخ العجوز: أين الحزام الذى تركته هنا؟ أجاب الشيخ لا أعلم ولم أرَ هنا حزاماً, أشهر الفارس سيفه وقطع رأس الشيخ العجوز.
كان موسى عليه السلام ينظر ويتأمل ويفكر، قال يا رب، إن هذا الفارس ظلم عبدك الشيخ العجوز, قال له ربه: يا موسى، الشيخ العجوز كان قد قتل أبا الفارس منذ زمن، أما الغلام فكان أبوه قد عمل عند والد الفارس عشرين سنة ولم يعطه حقه, فالفارس أخذ بحق أبيه من الشيخ العجوز، والغلام أخذ بحق أبيه من الفارس، وسبحان من سمى نفسه الحق ولا تضيع عنده المظالم.