مرايا- أكدت وزيرة الثقافة هيفاء النجار في الحوارية التي نُظمت مساء اليوم الاثنين، في منتدى شومان، أن التحول نحو المئوية الثانية يجب أن يركّز على قيم ذات أبعاد ومضامين ثقافية تساعد على المأسسة، ومرتبطة بقيم التسامح والاعتراف بالآخر والتفكير النقدي والإبداع والابتكار.
وأشارت في حوارية “منظور ثقافي جديد في المئوية الثانية”، التي قدّمتها الرئيسة التنفيذية لمؤسسة عبد الحميد شومان، فالنتينا قسيسية، إلى التحوّل في وظيفة وزارة الثقافة من دور الرعاية إلى دور البناء والإدارة وتذويت المعرفة، والمثقف شريك مع الوزارة في إنتاج هذه المعرفة.
وبيّنت النجار أن اللغة وعاء الفكر وهي وسيلة لنقل التراث والتعريف به للأجيال القادمة، وأن الهوية الوطنية مشروع كامل متكامل، وتتطلب الانتباه إلى أهمية البرمجة والذكاء الاصطناعي والانفتاح على كلّ القيم المصاحبة للحداثة والثورة الرقمية، وإصلاح السياسة من أجل الثقافة وجلبها إلى قلب التنمية المستدامة، وأن يبنى السياق الوطني على قيم ومفاهيم وأعراف أردنية، ولكن لا يمكن العيش بعزلة عن السياق العالمي، بل يجب أن نكون فاعلين فيه.
ونبّهت إلى أولوية التطلع إلى نموذج جديد في العلاقة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، وبناء جسم ثقافي مدني يعمل باستقلالية في رسم السياسات الثقافية، وتكوين شبكة اجتماعية داعمة لهذه التصورات وربما تكون الوزارة هذه الشبكة ضمن تشاركية مع المجتمع لتقديم مشروع مبني على الإبداع والابتكار والريادة والصناعات الثقافية، وأن تكون الثقافة جزءاً من مدخلات العملية الإنتاجية الأردنية في كافة مضامينها.
ولفتت إلى أهمية التفكير بالثقافة بوصفها منصّة ينطلق منها الإنسان من أجل مشروعه الشخصي وفهمه لذاته، وفهمه لعلاقته مع الجماعة، وعلاقته مع الوطن كمواطن، وعلاقته مع العالم الآخر، وأن يكون هذا الإنسان منتجاً وحالماً وناجحاً من خلال هذه المنصة.
وأوضحت وزيرة الثقافة أن منصة المجتمع أيضاً من أجل أن يكون مجتمعاً منتجاً وآمناً، بما يحيل إليه مفهوم الأمن من قيم العدالة والمساواة والمواطنة ودولة القانون وكذلك مجتمعاً مبدعاً ومبتكراً ومزدهراً ومحباً وقائماً على التعددية والتنوّع، ويواجه تحدياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية عبر هذه المنصة بمواجهة نقدية جادّة وبشكل تفاعلي وتفكير بدائلي، وأن يكون قادراً على فهم المشكلة وإيجاد حلول مبدعة لها بطريقة إيجابية.
وأضافت أنها تقصد الثقافة بمنظورها الشمولي التكاملي، بمعنى أن الثقافة لا تعيش في عزلة عن السياسة والاقتصاد والاجتماع، موضحة أن الإصلاح السياسي يتطلب وجود مجتمع تفاعلي ويثقف بأنه سيكون له حرية الحركة في إنتاج كلّ ما يتعلّق في برامجه السياسية والحزبية، ويضع منظوره لمستقبله ومستقبل أبنائه، ومنظوره للتعليم والديمقراطية ومفهومه للعدل وتوزيع المكتسبات والتنمية المحلية، وبذلك تكون الثقافة منصة جامعة للسياسي والاقتصادي والباحث وسواهم.
وفي حديثها عن شروط تجديد المشروع الثقافي، أقرّت النجّار بافتقاد العقلية النقدية لفترة طويلة، حيث تم الابتعاد عن التفكير العلمي، وعُزلت العلوم عن الحياة اليومية، وأُهملت العلوم الإنسانية، ولتجاوز ذلك يجب بناء مشروع فكري يحترم العقل والعقلانية ولا يعزلهما عن الفنون والعلوم الإنسانية، وتأكيد دور الفلسفة والتحليل العلمي.
وشدّدت على ضرورة تقديم وزارة الثقافة مشروع المواطن الأردني، ومشروع دولة القانون، وأن تعمل بحاكمية جيدة وبرؤية جمعية وتتشابك مع جميع مؤسسات المجتمع من أجل مشاريع يكون المدخل الرئيسي لها هو العلم بكلّ تجلياته، ومنها العلوم الاجتماعية والإنسانية، والفنون والموسيقى، والاقتصاد والإنتاج ومنه الصناعات الإبداعية.
وحول دعم الصناعات الإبداعية، أشارت النجار إلى تواصل الوزارة عبر مديريتها في جميع أنحاء المملكة من أجل التعرّف على المبدعين والمنتجين الأردنيين في مجال صناعات التصميم والتراث والتصوير وصناعة الأفلام ومسارات سياحية ثقافية وغيرها من المنتجات الثقافية الأردنية، والعمل على رفع كفاءتها ونوعيتها وحمايتها، وتقديمها للأسواق العالمية من خلال منصات إلكترونية تحتوي جميع هذه المنتجات، وإعداد قاعدة بيانات توثّق جميع مجالاتها.
وتناولت جملة استراتيجيات وبرامج تعمل عليها الوزارة، وفي مقدّمتها مشروع الخط العربي الذي يهدف إلى تطوير منهاج خاص له في صفوف رياض الأطفال والمرحلة الأساسية، حيث سيتمّ تدريب آلاف المعلّمين على الخط العربي، إلى جانب التعاون مع وزارة السياحة لإعادة تأهيل مدينة أم قيس ضمن تظاهرة إربد عاصمة الثقافة العربية لتكون مركزاً ثقافياً تراثياً حضارياً وإعداد برامج خاصة في السياحة الثقافية، كما يجري العمل من أجل تسجيل تراثنا المادي وغير الماذي ضمن لائحة التراث العالمي.
وأشارت إلى جملة تحديات تواجه الوزارة، منها وجود صورة نمطية للثقافة والفنون وغياب التقاليد المتصلة بالقراءة والريادة، وضعف القدرات المالية، وغياب وضعف الإدارات الثقافية، وانسحاب المؤسسات التنويرية من المجال الثقافي، وسيطرة البيروقراطية والماضوية، وعدم القدرة على التعامل مع ثورة المعلومات بشكل ذكي، مبينة في الوقت نفسه عناصر القوة التي تتمثّل في ثراء التراث الثقافي وتنوّعه، والمنظومة التشريعية جيدة وقابلة للتطور، ووجود أطر مؤسسية راسخة، وبنية تحية جيدة، إلى جانب العديد من النماذج الناجحة على مستوى المؤسسات والمثقفين.
وختمت وزيرة الثقافة بالحديث عن أدوات التغيير التي تتطلب تدريب الكادر الثقافي، والتعلم من التجارب الناجحة، وإيجاد أسواق للسلع الثقافية، والإنفاق على التمكين وليس على التدريب، ورعاية الثقافة بالتوازن بين المبدع والمتلقي.