مرايا – يعاني الأردن، كجاراته من دول المنطقة، من فواتير أجور مرتفعة متأثرا بالصراعات الدائرة في المنطقة واستضافة اللاجئين، اللتين تلقيان بظلالهما على اقتصاده، وفقا لآخر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي نهاية العام الماضي.
ورغم أن الأردن يؤدي جيداً مقارنةً بغيره، وفقاً للتقرير الذي يحمل عنوان “فواتير الأجور العامة في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى”، يواجه الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بشكل عام تحديات هائلة في مجال التنمية الاقتصادية. ومن هنا، تسعى المنطقة جاهدةً إلى تعزيز النمو الشامل من جهة، وتخفيض معدلات البطالة لدى الشباب وبلوغ أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة من جهة أخرى.
وفي الوقت نفسه، يتحتم على العديد من دول المنطقة التعامل مع الصراعات الداخلية والتدفقات الكبيرة للاجئين، فضلاً عن المخاطر الأمنية المتزايدة. ومع مستويات الديون المرتفعة، والانخفاض طويل الأجل في أسعار النفط والتحويلات المالية، أصبحت العديد من دول المنطقة تفتقر بشكلٍ متزايد للقدرات المالية التي تمس الحاجة إليها من أجل معالجة هذه التحديات بشكل فعال.
وتحتاج الدول إلى إيجاد سبل لتمويل السياسات التي تتصدى للتحديات بطبيعتها، وينبغي أن تكون الجهود المكثفة من أجل زيادة الأرباح بشكل عادل ومنصف جزءاً من جهود الحكومات ككل.
وتصبح الحاجة ماسة أيضاً إلى إحداث إصلاحات في الإنفاق تواتي النمو، مثل إصلاحات دعومات الطاقة، من أجل توليد موارد الإنفاق على الفقراء، وهذا ما طبق فعلياً في دول عدة.
ويكمن خيار آخر في إصلاح فواتير الأجور العامة الكبيرة، وهو موطن تركيز هذا التقرير، بحيث تعاني العديد من دول المنطقة فواتير أجور عامة ضخمة، سواء بالنسبة إلى إيراداتها ونفقاتها الخاصة أو مقارنةً بنظرائها العالميين.
وقد يعود الفضل في ذلك إلى المستويات المرتفعة للعمالة العامة، والتعويضات الكبيرة غير العادية، أو مزيج بينهما. وعلى الرغم من حجمها غير المتناسب، فقد فشلت فواتير الأجور العامة الضخمة في تحسين توافر ونوعية الخدمات العامة التي تعد حيوية في التصدي لتحديات التنمية الاقتصادية آنفة الذكر. وفي الوقت ذاته، فإن أسواق العمالة مشوهة في الدول؛ حيث تتجاوز التعويضات التي يدفعها القطاع العام تلك التي يدفعها القطاع الخاص.
وفي حين أن تجميد التوظيف والأجور أو تخفيضها يمكن أن يكون مفيداً في الأجل القصير، لا يمكن إنكار أنها ربما تؤثر على توفير الخدمات، فيما تصعب إدامتها وهي التي لا تعد بديلاً جيداً للإصلاحات الهيكلية لسياسات التوظيف والتعويض.
ويقترح التقرير هنا بعض خيارات الإصلاح، مثل تحسين إدارة فواتير الأجور العامة ومستوى شفافيتها.
ومستنداً إلى تحليلات صندوق النقد الدولي السابقة على المستوى العالمي والبيانات الإقليمية الأخيرة، يدعو هذا التقرير إلى تأكيد أن تكون سياسات فاتورة الأجور مستدامة من الناحية المالية عبر تحديد محركات فواتير الأجور وترسيخ نموها في الخطط المالية متوسطة الأجل.
وثانياً، تركيز سياسات التعويض والتوظيف على توفير الخدمات العامة الجيدة بشكل فعال ومنصف، وذلك من خلال تنقيح النفقات القطاعية، وتمكين آليات التسيلم في القطاع الخاص.
وثالثاً، تمكين المؤسسات والبيانات، بما في ذلك إدارة الموارد البشرية ومراقبة العلاوات والبدلات، وربط التعويضات بالأداء. ورابعاً، أن تتزامن الإصلاحات والتآزر مع السياسات الأخرى.
ومن أجل تسيير عملية الانتقال، ينبغي أن تنطوي إصلاحات فاتورة الأجور على تحليلات مبكرة للأثر الاجتماعي وأن تصاحبها خطوات ترمي إلى تمكين الحماية الاجتماعية، وتنويع الاقتصاد، فضلاً عن تمكين الإدارة وتحسين بيئة العمل وخلق الوظائف.
وأشار التقرير إلى أن الفروقات المادية في الأجور بين القطاعين العام والخاص تتسع في دول الأسواق الناشئة، بحيث يتقاضى العاملون في القطاعات غير النفطية العامة، خاصة في الدول المستوردة للنفط، مثل الأردن ومصر، في المتوسط أقل من نظرائهم في القطاع الخاص.
وقد نوه التقرير إلى أن الفروقات في فواتير الأجور العامة في جميع أنحاء المنطقة كبيرة جداً، بحيث إن فواتير الأجور العامة في المغرب وتونس والضفة الغربية وغزة تتجاوز بمقدار الضعف ما تبلغه في الأردن والسودان.
وعلى الرغم من أن وظائف القطاع العام في الأردن ومصر تستأثر بنسبة عالية جداً من الوظائف بشكل عام (36 % و25 %، على التوالي)، لكن الرواتب المدفوعة تصغر بنحو 20 % إلى
30 % تلك المدفوعة في القطاع الخاص.
وأشار التقرير، من جهة أخرى، إلى أن الصراعات الداخلية والإقليمية، مصحوبة في كثير من الأحيان بالأعمال الإرهابية، تتطلب مدفوعات أمنية كبيرة للتعامل معها، ناهيك عن آثار هذه الصراعات التي تجلت في ارتفاع تدفقات اللاجئين، الأمر الذي يزيد الضغوط على الخدمات العامة وفواتير الأجور. وفي الأردن ولبنان، أصبح اللاجئون السوريون والعراقيون يشكلون قرابة ربع وعُشر التعداد السكاني، على التوالي.
وفي الدول التي تعاني آثار الحروب والصراعات المحيطة (مثل الأردن)، تزيد تدفقات اللاجئين والشواغل الأمنية متنامية الطلب على الخدمات العامة، في حين تكثف التوترات الاجتماعية والضغوطات على سوق العمل.
وأدى ضعف الإدارة والمؤسسات إلى انتفاخ فواتير الأجور العامة في المنطقة، كما وعقدت أيضاً الأمر أمام أساليب الإدارة والمراقبة. وتشكل الضغوطات السياسية والفساد أيضاً تحدياً لبعض الدول. وكما هو الحال في بقية دول العالم، عادة ما تتأثر ارتفاعات الأجور والتوظيف بالعوامل السياسية. وتتيح بعض الدول التوظيف في المناصب الحكومية (مثل جورجيا ولبنان وباكستنان) والتوظيف غير المركزي (مثل الأردن والبحرين والإمارات العربية المتحدة)، مما قد يعزز دور السياسة في التوظيف.
ويتمثل التحدي الحقيقي أحياناً في الحفاظ على المؤسسات العاملة والخدمات الرئيسية وسط تقلص الحيز المالي. وفي مثل هذه الظروف، يمكن احتواء ضغوط فاتورة الأجور من خلال إعاده تخصيص التوظيف من المناطق غير الضرورية وتسريع الجهود الرامية إلى القضاء على أوجه عدم الكفاءة (بما في ذلك عمال الظل).
ويمكن لزيادة استخدام التوظيف المستند إلى العقود في بعض المناصب أو القطاعات أن تساعد على التكيف مع الاحتياجات المتغيرة وإبقاء التكاليف تحت السيطرة. كما ومن شأن الاستعانة بمصادر خارجية أن تخفف الأعباء عن الدولة، مع دعم القطاع الخاص في آن معاً.
وسوف يساعد تحويل تركيز السياسات إلى زيادة فرص العمل في القطاع الخاص، وتحسين تقديم الخدمات العامة لكل من السكان المضيفين واللاجئين، على تعزيز التلاحم الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، فمن شأن إصلاح فاتورة الأجور العامة أن تدعم جهود الدول الرامية إلى تحقيق النمو في القطاع الخاص وخلق المزيد من الوظائف، لاسيما وأن القطاع الخاص هو المصدر الدائم لملايين الوظائف التي يبحث عنها خريجو الجامعات في سوق العمل.
ومن خلال تمكين زيادة الاستثمار في البنية التحتية والحماية الاجتماعية، جنباً إلى جنب مع إزالة التشوهات في سوق العمل، ستتمكن إصلاحات فاتورة الأجور من تعزيز القطاع الخاص في نهاية المطاف.