نجحت مصر في تعميم عبقرية النيل ومغناطيسيته الجاذبة " فمن يشرب من ماء النيل يعود اليه "
بل تخطتها نحو توطين القادمين اليه اذا كان لديهم ما يقال , فمصرنت مصر شوامها وادغمتهم في مجتمعها الكبير , من ابناء " تقلا " الذين حملوا رائحة الحبر الصحفي الى الاهرام الى فريد الاطرش واسمهان.
هذا الاندماج لم يلغ نكاية ومشاكسة ظلت بين مصر وبر الشام تهدأ وتعاود الظهور في بابي السياسة والثقافة ,فمرة تقبل الشام على مضض بزعامة مصر ومرة تعلن لا زعامة لمصر الا على نفسها الى ان استقر الى حالة من التراضي بعد ان تعسرت الولادة في مصر ثقافيا فخطف البر الشامي رايتي الشعر والرواية وكثيرا ما خطفت القصة ايضا وغامرت مصر بسلام منفرد فانتقلت الراية الى ما يشابه التقاسم الثلاثي بعد دخول النفط على خط السياسة.
امر واحد لم يخطفه البر الشامي وظل حائرا في تفكيك شيفرته , فتارة يقبل بسر الفراعنة وتارة يحيل الظاهرة الى عبقرية النيل وغالبا ما يكتفي بجملة عجولة وعلى مضض ان المصري اكثر العرب التصاقا بقطريته المصرية وانحيازه الكامل لها من ابسط فرد الى اعلى مفكر , التصاق حميم لا يغير مفاتيحه نكاية سياسية او اختلاف رأي , وكأنه رد ضمني على بر الشام بان ثمة ما يغري ويغوي في مصر لم تفك شيفرته رجالات الشام .
السر هو في " الحرافيش " , اولئك الاحاد الذين زرعوا مصر برائحتهم ونكهتهم , رائحة استلهم منها الكثيرون ابداعا جلب مع تواطؤ من السياسة جائزة نوبل لمصر وجلب مخزونا يفيض عن حاجة المبدعين , على عكس بر الشام الذي فكفك شطاره على الامصار ولم يؤرخهم الا تاريخا خجولا وعلى عجل.
امس وفي حضرة الحرافيش على اول شارع فيصل القاهري كان الحوار سخيا عن الحرافيش ولم نجد ما يسندنا من الشطار, فكما انتج الحرافيش ظاهرة الفتوات انتج الشطار زعامة القبضاي
لكن هناك الاف التاريخ السنمائي والفني والروائي للفتوة ولا يوجد الا بعض اشارات عن القبضاي ولولا بعض مسلسلات دمشقية لما وجدنا ما يقيم اودنا في حوار صاخب على صوت مطرب استل كل ما في جعبته من اغاني الشيخ امام امعانا في النكاية .
الفتوة والقبضاي اقتراح توفيقي قدمه صديقنا المصري لفض الاشتباك ليكون عملا شاميا مصريا نؤرخ فيه مرحلة لا يتقنها الجيل الجديد ويمكن ان تكون فاتحة ثقافية واجتماعية تجذب الجيل الجديد من بطولات رامبو وارنولد وابطال هوليود الذين خلقوا اتباعا ومريدين نلمح انعكاساتها في الشارع لباسا وقصات شعر وازياء لا اعرف لها قياسا او ارتفاعا بعد ان انتقلنا بالخصر الى ادنى مستوايته .
الحرافيش والفتوات والشطار والقبضايات رحلة بحث عن زمن جميل انقضى و رغم انه يطل براسه احيانا من باب الحارة الدمشقية او من ابناء الحارة المصرية لكنهم قطعا لم يعودوا هناك بعد ان اصبح الحرفوش والشاطر تروسا تنتهك تحت عجلات الخصخصة , وعظاما تكسر من وطأة الجوع والفقر وقلة الحيلة والهيبة بعد ان تحول الفتوة الى body gard خلف راقصة او خلف رجل اعمال لا فرق , وتحول القبضاي الى عضلنجي في ساحات بر الشام او الى حارس في ناد ليلي .
هكذا ستكون نهاية العمل الفني كما يقول واقع الحال مع الاعتذار الى الدكتور فخري يوسف الفنان التشكيلي الجميل الذي يصر على ان تكون لمقهاه اسم الحرافيش وسلوك الفتوات النبيل .