* ... في حديثه أمام طلاب جامعة كانساس في الولايات المتحدة الأمريكية في الأول من الشهر الحالي , قال مدير وكالة الأستخبارات الأمريكية مايكل هايدن انّ صعود الصين المتسارع وضعف العلاقات والروابط التي تجمع أمريكا بأوروبا والأنفجار السكّاني الذي تشهده الكرة الأرضية تمثل أكبر المخاطر الأستراتيجية التي تهدد أمريكا خلال القرن الحادي والعشرين .... واعترف هايدن - وان جاء اعترافه متأخراً - أنّ معادلات مرحلة ما بعد الحرب الباردة , والتي شهدت سيطرة أمريكية أحادية على العالم في كافة المجالات , قد انتهت مع صعود تأثير أطراف أخرى سواءً أكانت حكومات أم أطرافاً مستقلة , وازدياد تأثيرها على مسرح الأحداث العالمية , ويقصد روسيا والصين .... ودعا - في سابقة أخرى - الى وقف فهم أفضل لحضارات وأديان شعوب العالم , وانهاء النظر الى العالم من منظور أمريكي .... وكأنّه يدعو الى عالم متعدد الأقطاب , وهي ذات الرؤية الخاصة بالرئيس الروسي ( بوتين ) المنتهية ولايته , حيث دعا بوتين الى هذا العالم المتعدد الأقطاب في منتصف فترة رئاسته الأولى , وعمل عليه مع الصين في فترة رئاسته الثانية كاملةً وبدأ في البناء على مبادرة الصين في انشاء منظمة شنغهاي في عام 2001 م حيث تقاطعت المصالح الأستراتيجية بين موسكو وبكين .... وما قاله هايدن : أنّ معادلات الحرب الباردة التي انتهت بسيطرة أمريكية أحادية على العالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً قد انتهت .... قول يجانب الصواب ويجافي الحقيقة ! فكيف يصف مايكل هايدن ما يجري من صراع بين القوى الكبرى على - وفي - آسيا الوسطى ؟!
* تضم منظمة شنغهاي للتعاون في عضويتها دولاً ( أورو- آسيوية ) مهمة كما توجد رغبة جامحة في توسيع عضويتها مستقبلاً لتضم دولاً مثل الهند , باكستان , أفغانستان ومنغوليا , وبهذا التكوين الجيوبولتيك تمتلك هذه المنظمة امكانيات تنموية كبيرة ونوعية , تؤلها لتكون واحدة من أهم المنظمات الأممية وتمتلك تأثيرات عميقة في العملية التنموية والأمنية في منطقة دول آسيا الوسطى .... ومن الواضح أنّ هناك صراع وتحديات وتضارب في المصالح الأستراتيجية بين الدول الكبرى ( روسيا , الصين , الولايات المتحدة الأمريكية ) في آسيا الوسطى , الأمر الذي يعتبر مؤشراً واضحاً للعودة الى حقبة الحرب الباردة والى سياسة الأستقطاب الدولي ( أفقياً وعامودياًُ ) , والقوى الكبرى تستخدم كل ما هو متاح من وسائل وآليات لها لكسب الرهان الأستراتيجي , حيث واشنطن تسعى لأثبات هيمنتها على القرار العالمي , وأحادية القرار فيما يتعلق بالتحديات العالمية والأقليمية , والصين وروسيا من جانب آخر تسعيان لكسر هذه الهيمنة والقرارات الأحادية للولايات المتحده الأمريكية مع ضمان الأستقرار في آسيا الوسطى حفاظاً على مصالحهما القومية , ومن شأن هذا أن يؤدي الى مزيد من التوتر العالمي ويزيد من تفاقمه مما قد يؤثر سلباً على الأمن والسلم والأستقرار العالمي , مع اعتبار ما يجري الآن في العراق وأفغانستان وفي بلاد الشام , والصراع الأمريكي – الأيراني .
* ونشير هنا الى أنّ للولايات المتحدة الأمريكية علاقات عسكرية وأمنية واقتصادية مع بعض دول آسيا الوسطى وبالتنسيق مع حلف الناتو فبعض هذه الدول أعضاء في برنامج الناتو للمشاركة من أجل السلام , ويضم هذا البرنامج ( المشبوه ) كلاً من تركمنستان , وقرقيزستان , أوزبكستان , كازاخستان , وطاجيكستان , ومنذ العام 1996 م بدأت دول آسيا الوسطى في الدخول في تدريبات على مكافحة الأرهاب وحفظ السلام , وفي الجانب الأقتصادي ما زالت الأطماع الأمريكية قائمة تجاه غاز تركمنستان عبر بحر قزوين ونفط كازخستان اذ يمثل هذا الأمر أهمية اقتصادية قومية للولايات المتحده الأمريكية ولأمنها القومي .... لذلك نجد الغرب وعلى رأسه أمريكا , يتهم منظمة شنغهاي للتعاون في أنّها ( ناد للدكتاتوريين ) يسعى للتصدي للنفوذ الأمريكي في آسيا الوسطى الغنية بالنفط والغاز , بينما نجد أنّ دول منظمة شنغهاي للتعاون , تحالف أعضائها ليس موجهاً ضد أية دولة تحديداً , بل يهدف الى ضمان الأستقرار في المنطقة فيما يتعلق بمكافحة الأرهاب الأممي والحركات الأنفصالية والتطرف بمفهومه الشامل .
* وبعد سقوط الأتحاد السوفياتي السابق , وبعد محاولات كثيرة من جانب واشنطن في تحجيم الدور الروسي السياسي والعسكري والأمني والأقتصادي عالمياً , وفرضت أمريكا هيمنتها على العالم , وصارت تتعامل مع القضايا العالمية والأقليمية بطريقة أحادية دكتاتورية , وعمدت على عزل روسيا داخل حدودها الجغرافية , عن طريق قيام الجمهوريات الديمقراطية الوليدة في شرق أوروبا وضمها الى حلف الناتو , حيث كانت في الماضي القريب جزءً من الأتحاد السوفياتي السابق , ثم هاهي تعمد من جديد أيضاً الى الألتفاف حول روسيا جنوباً عبر دول آسيا الوسطى , ولأحكام طوق الحصار الأستراتيجي تسعى واشنطن جاهدةً الى تنفيذ مشروع الدرع الصاروخي شرق أوروبا .
* لكن روسيا كانت تدرك حجم المخاطر حولها وقامت بوجود الرئيس بوتين وعلى مدار فترة حكمه , الى مقاومة هذا التخطيط الأستراتيجي الأمريكي في شرق أوروبا وآسيا الوسطى وما زالت , من خلال منظمة شنغهاي للتعاون , ونجحت روسيا كدولة مؤسسات وعلى رأسها ( بوتين ) - هل يحافظ ديمتري ميدفيدف على ذلك ؟! - في دفع واقناع أعضاء المنظمة في تبني قرارات هامة تخدم توجهها الأستراتيجي لمقاومة السياسة والمد الأمريكي في شرق أوروبا وآسيا الوسطى ..... لقد سعت موسكو وبكين لتقوية تجمع دول شنغهاي للتعاون أمام المد الأمريكي في آسيا الوسطى وذلك باضافة أهداف استراتيجية جديدة سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية , فهي بمثابة ضماناً للأمن والأستقرار لدول المنظمة وآسيا الوسطى .... فهي منظمة اقليمية تعطي دفعاً لتعميق علاقة الشراكة على أساس مبادىء التكافؤ والأحترام المتبادل ومراعاة مصالح جميع الأعضاء الشركاء , وتسعى من جهة أخرى الى بناء نظام عالمي عادل وديمقراطي وانشاء هيكل معاصر للأمن الدولي والأتجاهات ذات الأولوية لنشاطها , وتضم كل من روسيا , كازاخستان , قرغيزيا , الصين , طاجيكستان , وأوزبكستان , وتركمنستان, وتتمتع الهند وايران ومنغوليا وباكستان وأفغانستان بصفة مراقب في هذه المنظمة.
* والناتو وتحديداً وبعد سقوط الأتحاد السوفياتي وحلف وارسو .... لم يحقق أي انتصارات له بما حدث وحتّى الآن , وما حقّقه هو التوسع بالمفهوم الجغرافي الميداني في نطاق أعضائه , ومنذ سنتين تقريباً في عام 2006 م وضعت واشنطن برنامج تكتيكي واستراتيجي لأقامة آسيا الوسطى ( الكبرى ) على غرار مشروع رايس في الشرق الأوسط , حيث فشل مشروعها / الشرق الأوسط الكبير / بفعل المقاومة في العراق حيث ما زالت مستمرة , وفي جنوب لبنان صيف 2006 م , وفي فلسطين – غزّة 2008 م , والآن تعمل واشنطن على نسج علاقات على المستوى الثنائي مع كل دولة على حدا في منطقة آسيا الوسطى بهدف افشال انضمام دولها الى منظمة شنغهاي أو اضعافه , كي تبقى هذه الدول ضعيفة , حيث يسهل الأستفراد بها ويسهّل توجيهها في نسج علاقات ثنائية وحيدة مع واشنطن فقط ... وابعادها عن أي تجمعات اقليمية قوية بالمعنى السياسي والعسكري والأمني والأقتصادي في منطقة أسيا الوسطى , وحتّى تبقى تشعر هذه الدول بحاجتها الى أمريكا...... من جهة أخرى تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية آساليب مختلفة , تشمل الآساليب الأمنية المخابراتية بلباس سياسي واداري ودبلوماسي , من جهة دعوة كبار الموظفين والمراسلين في مقرات رئاسات الدول في آسيا الوسطى للتدرب على العمل الأداري والرئاسي البرتوكولي في واشنطن , كما تستخدم أسلوب الترغيب والترهيب مع زعماء هذه الدول وتعمل على تمويل بعض أنشطة المعارضة فيها وتشجع سياسة الثورات الوردية فيها كلما دعت حاجتها لذلك , وتمنح واشنطن أيضاً فرص كبيرة لرجال الأعمال في هذه الدول لنسج علاقات اقتصادية كبيرة ونوعية مع كبرى الشركات الأمريكية النافذة في أمريكا كي يكون هؤلاء / رجال الأعمال / أصحاب نفوذ سلطوية في بلادهم يعملوا على تسهيل عمل ومهمة واشنطن في هذه المنطقة الأستراتيجية , بالمعنى العسكري والأمني والأقتصادي وبالتالي تهديد الأمن القومي لكل من روسيا والصين وايران ..... وهذه السياسة الأمريكية نحو آسيا الوسطى لم تتغير منذ انهيار الأتحاد السوفياتي السابق وحلف وارسو , حيث بقيت ثابتة من جهة مضمونها , تشجع الثورات الوردية عندّ الحاجة تحت شعار حقوق الأنسان ومزيد من الحرية والديمقراطية ومحاربة الفساد .... الخ .
* وها هي واشنطن تعمل على خلق منظمة بديلة / 5 + 2 / في آسيا الوسطى كبديل لمنظمة شنغهاي تحقق أهدافها التكتيكية والأستراتيجية تضم بالأضافة الى أوزبكستان وطاجيكستان وقريقزستان وكازاخستان وتركمنستان , كل من أفغانستان وباكستان كي تضغط على كل من الصين و روسيا وايران وحتّى على باكستان نفسها من أجل تقوية تأثيرها على موضوعة بحر قزوين حيث الأخير يزخر بالثروات النفطية وبالغاز وبالمعادن النفيسة أيضاً..... بعبارة أخرى تريد واشنطن عبر هذه المنظمة البديلة / 5 + 2 / حضوراً سياسياً وعسكرياً وأمنياً واقتصادياً يلغي و/ أو يبعد ويحجّم ويقزّم الدور الروسي والصيني المتعاظمين , كما يعنيها ويهمها الأشراف على مشاريع النفط القزويني الذي تستثمر فيه شركاتها الكبرى لنقله عبر أفغانستان المحتلة أمريكياً أو عبر جورجيا التي صارت مخفراً أماميّاً لواشنطن في القوقاز