اخذ الجدل حول بيع ارض الدولة في دابوق مسارا جديدا بعد اعلان الحكومة عن نيتها الاتفاق مع مؤسسة الضمان الاجتماعي لتأسيس شركة عقارية تشتري اراضي مبنى القيادة العامة والمدينة الطبية المقدرة بنحو 600 دونم وتتولى هذه الشركة بعد ذلك بيعها لمستثمرين محليين او اجانب.
وصدر اكثر من تصريح حكومي بهذا الشأن لكن رسميا الشركة لم تؤسس بعد.
القائمون على مؤسسة الضمان الاجتماعي غير مستعدين كما يبدو لتسريع اجراءات تأسيس الشركة قبل بحث كافة التفاصيل المتعلقة بدراسات الجدوى الاقتصادية وحساب المخاطر المحتملة في المستقبل. وبهذا الخصوص طلبت ادارة الضمان - وفق اعضاء في مجلس الادارة - توضيحات حول المشروع من الحكومة.
وجرى خلال الاجتماعات التي عقدت لبحث تأسيس الشركة نقاش معمق ومسؤول. فالجميع يشعرون انهم امام مسؤولية كبيرة ولا يمكن المخاطرة باموال المواطنين قبل التأكد من ان الصفقة مجدية بكل المعايير.
تقدر قيمة دونم الارض في المنطقة المذكورة بنحو مليون دينار واذا ما اضفنا اليها المنشآت والمباني خاصة مبنى القيادة العامة فان السعر سيقفز الى الاعلى. وهناك جزء من تلك الاراضي يصنف على انه تجاري وبعد اعادة التنظيم للموقع سترتفع قيمة الارض اكثر.
بعد تأسيس الشركة ستشتري مؤسسة »الضمان« الارض بسعر اقل من قيمة التقدير الحالية, ووفق السيناريو المقترح للمستقبل ستتولى الشركة بيع الارض للمستثمرين باعلى سعر معروض وبذلك يحقق »الضمان الاجتماعي« ربحا مؤكدا من وراء الصفقة.
»الضمان الاجتماعي« من جهتها غير مستعدة لدفع المبلغ المطلوب ثمنا للارض لا يقل عن مليار دينار بشكل كامل وفوري ولذلك تسعى لادخال شريك محلي او خارجي لانجاز الصفقة. هوية الشريك لم تحدد بعد وتحتاج لمفاوضات على شروط الشراكة.
الحكومة من طرفها تحتاج الى الاموال على وجه السرعة لاقامة مبان بديلة للقيادة العامة والمدينة الطبية في مناطق جنوب عمان وفي حالة الاتفاق على كافة التفاصيل فان مؤسسة الضمان الاجتماعي لن تتأخر في تحويل الدفعة الاولى لتمويل المباني البديلة.
وفق السيناريو المعروض يتبين ان عائدات استثمار اراضي دابوق ستعود للضمان الاجتماعي وهذا يغلق باب الجدل حول مصير الاموال ويبدد الشكوك في الاوساط الشعبية.
في المقابل ينبغي الاتفاق على اجراءات احترازية للمستقبل في حال نشوء ظروف طارئة تحول دون بيع »الضمان« لتلك الاراضي باسعار مجزية في المستقبل بما يعرض اموال المؤسسة للخسارة وفي هذا الصدد يمكن الاتفاق من الان على اعادة الاراضي للحكومة واستعادة الاموال المدفوعة.
من حيث المبدأ الاسلوب الذي لجأت اليه الحكومة لاستثمار تلك الاراضي يظل افضل الف مرة من الوسائل التي اتبعت في صفقات سابقة تمت بغياب كامل للشفافية والمؤسسية وما زالت الشكوك تحوم حول ملابساتها.
ومن الان ينبغي ان تتعهد الشركة العقارية التابعة للضمان الاجتماعي بالكشف اولا بأول عن تفاصيل صفقات البيع في المستقبل فالاموال التي تتاجر بها ملك للمواطنين ومن حقهم ان يعرفوا مصيرها.
لكن المعضلة التي تواجه المشروع برمته لا تتعلق بالجدوى الاقتصادية على اهمية هذا البعد وانما استهجان اوساط واسعة لفكرة بيع اراضي المدينة الطبية ونقلها الى موقع اخر, فللمكان رمزية خاصة لدى كل المواطنين اذ يندر ان لا تجد مواطنا واحدا لا يحتفظ بذكريات طيبة او حزينة في وجدانه لهذا الصرح الطبي الذي اكتسب سمعة عربية ودولية نشعر جمعيا بالفخر بها.
ولسان حال الناس ان المدينة الطبية بقيمتها الانسانية والرمزية اغلى من اموال المستثمرين مهما بلغت.
ربما تنجح الحكومة في تكريس قيمة الشفافية والمكاشفة في ادارة الشأن الاستثماري والعقاري لكنها لن تتمكن من إقناع الناس بأن المدينة الطبية مجرد ابنية واجهزة يمكن نقلها الى مكان اخر غير ذلك المكان الذي عاشوا فيه اياما صعبة وحلوة من حياتهم.