قرار الحكومة الاخير بوقف استكمال اجراءات خصخصة شركة الصوامع كان ضروريا لضبط اسعار القمح في المرحلة الراهنة وعدم ترك المسالة للقطاع الخاص كما هو حاصل مع معظم السلع.
اسعار القمح التي ارتفعت منذ بداية العام الجاري ما نسبته 131 بالمئة مرشحة لارتفاعات اخرى على المدى القريب والمتوسط وقد باتت فاتورتها اليوم واحدة من اثقل الفواتير التي يدفعها الاقتصاد الوطني وتقدر بحوالي 350 مليون دولار لهذا العام, والمعضلة الرئيسية هي التقلبات الحادة في الاسعار يوما بعد آخر مما يؤدي الى اضطراب لدى المعنيين في توفير المخصصات المالية لعقود الشراء, لهذا بدأت الحكومة التفاوض مع احدى اكبر المؤسسات المالية العالمية لشراء احتياجات المملكة لعام كامل والمقدرة بـ 700 ألف طن مما سيؤدي الى تثبيت الاسعار, وهو اجراء له ابعاد ايجابية على الخزينة بشكل مباشر.
ابقاء الصوامع في يد الحكومة يعني ببساطة السيطرة على اجور النقل والتخزين لديها وفق تسعيرة تحددها الحكومة بعيدة عن الربح, عكس ما هو عليه الحال لو كانت الامور بيد القطاع الخاص, وهذا اجراء يساعد بشكل غير مباشر على الحد من تنامي اسعار القمح في السوق المحلية.
اليوم سعر طن القمح في السوق العالمية تجاوز الـ 500 دولار للطن, وهذا يرفع قيمة الدعم الحكومي لتلك السلع الاستراتيجية والمقدر بـ 160 مليون دينار, فاليوم الكلفة الحقيقية لسعر الخبز المدعوم حوالي 60 قرشا للكيلو الذي تبيعه الحكومة بـ 16 قرشا للمواطنين, وقد تعهدت الحكومة بمواصلة دعم الرغيف على ما هو عليه وعدم المساس به, بل انه بات اليوم خطا احمر لا يجوز الاقتراب منه بحجة ما يسمى بمعطيات السوق الحر, فاليوم الدعم احد ابرز الادوات التي تملكها الحكومات لتعزيز الاستقرار في المجتمعات التي تئن من وطأة جنون الاسعار وتآكل الدخل, غير ان هناك بعض الممارسات غير السوية التي بدأ البعض ممارستها وتؤثر سلبا على بقاء الدعم وتوجيهه لمستحقيه, فأصحاب عدد من المطاحن يبيعون الطحين المدعوم لمربي المواشي لاستخدامه كعلف بسعر زهيد, في حين يمتنع بعض اصحاب المخابز عن توفير الخبز المدعوم وينتج منتجات اخرى بالطحين المدعوم ويبيعها بأسعار عالية, وغيرها من الممارسات التي ادت الى زيادة اضافية على فاتورة دعم القمح, وهذه كلها تتطلب جهودا رقابية رادعة بحق كل من يتلاعب بالامن الغذائي للمواطنين, فالوقت الراهن يتطلب تعاملا غير عادي مع مسألة الحفاظ على الاستقرار المعيشي للاسر الاردنية.
فاتورة القمح التي اصبحت كابوسا على الخزينة بحاجة الى استراتيجية استثمارية لتجاوز بعض تداعياتها المالية في المستقبل, فآلاف الدونمات التي منحت من اراضي الديسي اليوم كانت مخصصة -حسب اتفاقيات- لاستثمارها بين رجال الاعمال وكبار المسؤولين مع الحكومة آنذاك لزراعة الحبوب وعلى رأسها القمح, الا ان مستغلي اراضي الديسي ومياهها يزرعون الفراولة وغيرها من الفواكة لغايات التصدير, لذلك بات لزاما على الحكومة ان تعيد النظر في بنود اتفاقيات اراضي الديسي وتوجيه مستثمريها نحو زراعة الحبوب خاصة القمح الذي يدر ذهبا على مزارعيه.