ضاقتْ زقاق ُ مدينة ٍ ، مثلما ضاقت الروح على ساكنيها ، لم يعُد ْ اتّساع ُ الوهم كافياً ، ولم يعُد ْ " مجانين الذاكرة " حاضرين في المكان ، فـ فعل " احتساء القهوة أو أيّ شراب ساخن أو بارد " ، صار سلوكاً شبيهاً برداءة يوميّة أو ممارسة بيولوجيّة يقرّرها انفعال أو تحكمها عادة من دون وعيً .. تلك قصة أخرى ، لكنّنا ، أصدقاء أو رفاق َ طريق ٍ نسعى ليلة بعد ليلة أو حين يتداعى الوقت ، إلى بائع قهوة على رصيفٍ في قاع ٍ أخير للمدينة ، نطلبُ ما توافر أو ما يستحضره لسان الحال ، فيحضر البائع أو حرّاس الرصيف من الجائلين وساهريّ الليل ، ولا يغيب عن الذهن " عبد الصمد " .
نطلب ُ قهوتنا ، أو خمرتنا الواضحة ، فيأتينا " عبد الصمد " ، فما أنْ نركن أجسادنا إلى حائط ٍ مجاور أو نقتعد الرصيف ، إلا ويكون " عبد الصمد " بملامح تشكلت لديه بفعل تكوين جسديّ امتلكه منذ ولادته أو بفعلِ " ترهّل ٍ " أو مرض ٍ أصابه ربّما ، ولا نقول : دفعه قهرٌ ذات سهوٍ إليه ... تأتي القهوة بلا " سكّر ٍ " حين نطلبها نصف محلّاة أو حلوة وتجيء ،عبر وسيط من التائهين ، نصف محلّاة حين نطلبها " بلا سكّر " .. تأتينا القهوة بملامح " عبد الصمد " وإشارات البائع ونفر من الجائلين أو أصدقاء الليل ، منهم من تهرأت أذهانهم وآخرون فقدوا الذاكرة أو تهرأت أوقاتهم و جيوبهم .. جاءوا يشكون الرداءة ويبثون الشجن في حضرة الرصيف وعند اتّساع الليل ... كلما سعوا إلى فاكهة الحضور يتّسع الليل و تغيب الفاكهة وتنطوي سيرة يوم فقد عقله ... هل تفقد الأيام عقلها ، مثلنا ؟ هل لنا أن نقول مثلاً : التقينا في ليلة الثلاثاء المجنونة أو يوم الخميس المريض نفسيّاً ؟
لا يدرك سرّ سؤال الجنون إلا : عاشقٌ أضاع رصيف عشقه أو مجنون ابتلته الذاكرة بانحيازها لغيابه .. هكذا ، تكون أحوال الليل عند عبد الصمد ، فهو واحد مثلنا ، هو كلّنا .. مجنون وعاشق وكاذب وصادق ومحتال وهارب ومتسكّع وآخر الأمر : قد يكون مريضاً بفتنة عابرة في الجسد ، لكنه في الأحوال كلها مريض بحرقة المحبة وما يزال على ظنّه بأنّ للعشاق مكاناً فوق الأرض .
يفتح " عبد الصمد " كتاب بوحه ، أو ما يسمّيه آخرون " كتاب الجنون " ، فنقرأ سيرة وحكاية أهلكت الجسد وأودت بأطرافه ، لكنها حكاية عاشق لا يلين ، يتوارى عبد الصمد حين نسأله عن فجيعته ، ويحضر حين يصير الحديث عن الماء والخبز ، يتقصّد ، عن نيّة واضحة بذلك ، لكن من غير طويّة سيئة ، أن يغفل حماقاته ، يغفل لقمة خبزه ويكتفى بـ " خبز الفقراء " .. يزعم أنّ شوارعنا ما تزال على اتّساعها ، وحين يشتدّ السؤال يدلق ما تبقّى في فنجان قهوته في جوفه أو يبلّل به مساحة على الرصيف .. يكتفى بقوله : لست مجنوناً مثلكم ، اتركوني وشأني !
... و لحظة أن يرانا مغادرين ، يطلق ضحكة صفراء مجلجلة ولسان حاله يقول : لا مكان على هذه الأرض للمجانين ... البقاء فقط لأدعياء الجنون !
madaba56@yahoo.com