* * *
والمنظمة، إجمالا، تسيطر علي ممثلي الحزب الجمهوري في أكثر من 12 ولاية، بما في ذلك تكساس وفلوريدا، ولوائحها للانتخابات المحلية بمختلف صنوفها تحصد عادة نسبة تتراح بين 40 و60 % . وفي إنتخابات 2000 الرئاسية، اضجطرٌ السناتور الجمهوري جون ماكين (المرشٌح آنذاك لبطاقة الحزب، وأحد أبرز مرشحي الحزب الجمهوري في انتخابات هذا العام أيضا) إلي خوض معركة شرسة ضدٌ روبرتسون، المتحالف مع جورج بوش الإبن، قبل أن يلعق جراحه ويطوي جناحيه وينسحب من معركة الترشيح. وكان قد أعلن أنه يتكيء علي عكازين اثنين: الأوٌل أنه الأسير السابق الذي شقٌت أمريكا صدرها حزنا عليه، إلي أن عاد بطلا قوميا يضع ابتسامته الوديعة في خدمة الحلم الأمريكي، حتي بعد انكسار هذا الحلم علي يد الفييتكونغ، وتمريغه في أوحال الحقول. العكاز الثاني أنه يخوض الترشيح باسم حزب رونالد ريغان، آخر عمالقة الجمهوريين، وليس باسم حزب بات روبرتسوت أو 'التحالف المسيحي'.
* * *
وفي ظروف مختلفة غير التنافس الدامي علي الترشيح لانتخابات الرئاسة، فإنٌ تصريح ماكين كان سيستحقٌ صفات فاضلة مثل الشجاعة والجسارة والصراحة والنزاهة. وأمٌا في تلك الظروف الانتهازية بالذات، فإنٌ التصريح لم يكن أقلٌ من إعلان إنتحار. وإزاء انزلاق ماكين إلي اتهام المبشٌر الجبٌار بقيادة جحافل الشرٌ داخل الحزب الجمهوري، لم يكن أمام منافسه جورج بوش الابن سوي التمرٌغ أكثر فأكثر في أحضان تلك الجحافل بالذات، دون أن يضطرٌ لحظة واحدة إلي استذكار المعركة القذرة التي وقعت في العام 1988 بين روبرتسون وجورج بوش (الأب هذه المرٌة) حول حيازة بطاقة الترشيح باسم الحزب.
* * *
وفي شئون العالم ما وراء المحيط، كان روبرتسون أكثر مّنْ أطلق السباب المقذعة في حقٌ بطرس بطرس غالي حين كان الأخير يشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وفي حقٌ كوفي أنان بعده. ولقد طالب ويطالب بنقل مقرٌ الأمم المتحدة خارج أمريكا، وتخليص بلاد العمٌ سام من 'مجمع الأبالسة السود والسمر والصفر، الذي يدنٌس نيويورك، ويلوٌث طهارة أمريكا'. و'النظام الدولي الجديد'، أبرز مؤلفات روبرتسون، كان قد صدر سنة 1991 لكي يساجل ضدٌ التوصيف الذي أشاعه جورج بوش الأب بعد عمليات عاصفة الصحراء ، وفيه يقول المبشٌر المسيحي عن عقيدة الرئيس الأمريكي: 'أيعقل أن يري المواطن العادي في عبارة النظام الدولي الجديد معني مختلفا تماما عن المعني الذي تراه دائرة داخلية ضيقة في جمعية سرية؟ من المرجح تماما أن يكون رجال ذوو طوية حسنة من أمثال وودرو ولسون وجيمي كارتر وجورج بوش، ممن سعوا مخلصين إلي جمع أمم شتٌي للعيش بسلام في عالمنا، قد فعلوا ذلك وهم في الواقع ينفٌذون عن غير قصد وإدراك مهمة ومقاصد عصبة سرٌية ضيقة هدفها لا يقلٌ عن نظام جديد للجنس البشري يتسيٌده لوسيفر وأتباعه في محفل الأبالسة'.
هل هذا تفكير رجل أحمق أو غبيٌ، كما تنصحنا صحيفة واشنطن بوست أن نراه؟ ولماذا، إذا، يتسابق علي خطب ودٌه مرشحون جمهوريون من أمثال رودي جولياني وميت رومني ومايك هاكابي، أو حتي جون ماكين نفسه وإن علي استحياء؟ ولماذا يحاول اتقاء شرٌه كبار مرشٌحي الحزب الديمقراطي، من هيلاري كلينتون إلي باراك أوباما إلي جون إدواردز؟ وإذا أخذ المرء أفكار روبرتسون ضمن حصيلة متناسقة، فهل يمكن عزلها عن أنساق التفكير السياسيٌ العام السائد في صفوف الجمهوريين، من المعتدلين والوسط والغلاة والمحافظين القدماء والجدد علي حدٌ سواء، بصدد قضايا مثل الإرهاب والإسلام والأصوليات؟ أليست مرآة عاكسة، أو ربما أشدٌ المرايا وفاء لما ينعكس فيها من تمثيلات وتنظيرات؟
وكيف لنا أن نقرأ الحماقة وحدها في حقيقة أنٌ روبرتسون، وبعد يوم واحد فقط من دعوته لاغتيال الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز لكي لا يحوٌل فنزويلا إلي قاعدة للإختراق الشيوعي والتطرٌف الإسلامي ، صرٌح بالتالي: كان لإبراهيم ولدان. الأوٌل يدعي إسحق، والثاني إسماعيل، والتوراة تتحدٌث عن إسماعيل كحمار برٌي. لم يكن من الممكن السيطرة عليه. وتكاد تلك البذرة من العصيان والسخط المنفلت هي التي رّشّحت إلي هؤلاء الناس ، بحيث أنٌ روح الجريمة تلك هي التي تحرٌك الإرهاب الإسلامي!
* * *
وفي كلٌ حال، وجريا علي المألوف طيلة عقود ومنذ قرون، يميل المرشٌحون للرئاسة الأمريكية إلي خوض الحملات الانتخابية شعرا، ولكنهم في حكم البلاد لا يعتمدون إلا النثر!