|
|
|
|

|
|
 هاجم صحافيون مصريون مسلسلا بسبب تناوله قضايا حساسة في المجتمع المصري مثل "العنف الطائفي"... |
|
|
|
|
|
|
| |
| |
|
|
|
|
|
الشيخ محمد رفعت عاش ومات عفيف النفس ولم يتاجر بالقرآن
|
|
|
Thu, 17 Jan 2008 11:30:00 |
|
|
 |
استطاع الشيخ محمد رفعت بصوته العذب الخاشع أن يغزو القلوب والوجدان، فصوته يشرح الآيات، ويجمع بين الخشوع وقوة التأثير، ولذا استحق أن يكون أعظم صوت قرأ آيات الذكر الحكيم في القرن العشرين. ولد محمد رفعت في حي “المغربلين” بالدرب الأحمر بالقاهرة يوم الاثنين (9 5 1882)، وكان والده “محمود رفعت” ضابطاً في البوليس، وترقّى من درجة جندي آنذاك حتى وصل إلى رتبة ضابط، وحينها انتقل إلى السكن في منزل آخر في “درب الأغوات”، بشارع “محمد علي”، وكان ابنه “محمد رفعت” مبصراً حتى سن سنتين، إلا أنه أصيب بمرض كُفّ فيه بصره، وهناك قصة لذلك، فقد قابلته امرأة، وقالت عن الطفل: إنه ابن ملوك عيناه تقولان ذلك، وفي اليوم التالي استيقظ الابن وهو يصرخ من شدة الألم في عينه، ولم يلبث أن فقد بصره. وهب “محمود بك” ابنه “محمد رفعت” لخدمة القرآن الكريم، وألحقه بكُتّاب مسجد فاضل باشا ب”درب الجماميز”، فأتم حفظ القرآن وتجويده قبل العاشرة، وأدركت الوفاة والده مأمور قسم الخليفة في تلك الفترة فوجد الفتى نفسه عائلا لأسرته، فلجأ إلى القرآن الكريم يعتصم به، ولا يرتزق منه، وأصبح يرتل القرآن الكريم كل يوم خميس في المسجد المواجه لمكتب فاضل باشا، حتى عُين في سن الخامسة عشرة قارئاً للسورة يوم الجمعة، فذاع صيته، فكانت ساحة المسجد والطرقات تضيق بالمصلين ليستمعوا إلى الصوت الملائكي، وكانت تحدث حالات من الوجد والإغماء من شدة التأثر بصوته الفريد، وظل يقرأ القرآن ويرتله في هذا المسجد قرابة الثلاثين عاماً؛ وفاءً منه للمسجد الذي بدأ فيه. ولم يكتف الشيخ محمد رفعت بموهبته الصوتية الفذة، ومشاعره المرهفة في قراءة القرآن، بل عمق هذا بدراسة علم القراءات وبعض التفاسير، واهتم بشراء الكتب، ودراسة الموسيقا الرقيقة والمقامات الموسيقية، فدرس موسيقا “بتهوفن”، و”موزارت”، و”فاجنر”، وكان يحتفظ بالعديد من الأوبريتات والسيمفونيات العالمية في مكتبته. امتاز محمد رفعت بأنه كان عفيف النفس زاهداً في الحياة، وكأنه جاء من رحم الغيب لخدمة القرآن، فلم يكن طامعاً في المال لاهثاً خلفه، وإنما كان ذا مبدأ ونفس كريمة، فكانت مقولته: “إن سادن القرآن لا يمكن أبداً أن يُهان أو يُدان”، ضابطة لمسار حياته، حيث عرضت عليه محطات الإذاعة الأهلية أن تذيع له بعض آيات الذكر الحكيم، فرفض وقال: “إن وقار القرآن لا يتماشى مع الأغاني الخليعة التي تذيعها إذاعتكم”. وعندما افتُتحت الإذاعة المصرية في 31 مايو/ ايار من العام 1934 كان الشيخ أول من افتتحها بصوته العذب، وقرأ: “إِنا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً”، واستفتى قبلها الأزهر وهيئة كبار العلماء عما إذا كانت إذاعة القرآن حلالا أم حراما؟ فجاءت فتواهم بأنها حلال حلال، وكان يخشى أن يستمع الناس إلى القرآن وهم في الحانات والملاهي. وجاء صوت الشيخ رفعت من الإذاعة المصرية نديّاً خاشعاً، وكأنه يروي آذاناً وقلوباً عطشى إلى سماع آيات القرآن، وكأنها تُقْرأ لأول مرة، فلمع اسم الشيخ، وعشقت الملايين صوته، بل أسلم البعض عندما سمع هذا الصوت الجميل، ففي ذات يوم التقى “علي خليل” شيخ الإذاعيين، وكان بصحبته ضابط طيار إنجليزي بالشيخ رفعت، فأخبره “علي خليل” أن هذا الضابط سمع صوته في “كندا”، فجاء إلى القاهرة ليرى الشيخ رفعت، ثم أسلم الضابط بعد ذلك. وتنافست إذاعات العالم الكبرى، مثل: إذاعة برلين، ولندن، وباريس، أثناء الحرب العالمية الثانية؛ لتستهل افتتاحها وبرامجها العربية بصوت الشيخ محمد رفعت؛ لتكسب الكثير من المستمعين، إلا أنه لم يكن يعبأ بالمال والثراء، وأبى أن يتكسب بالقرآن، حيث عُرض عليه سنة 1935 أن يذهب للهند مقابل 15 ألف جنيه مصري، فاعتذر، فوسّط نظام حيدر آباد الخارجية المصرية، وضاعفوا المبلغ إلى 45 ألف جنيه، فأصر الشيخ على اعتذاره، وصاح فيهم غاضباً: “أنا لا أبحث عن المال أبداً، فإن الدنيا كلها عَرَضٌ زائل”، وعرض عليه المطرب “محمد عبدالوهاب” أن يسجل له القرآن الكريم كاملاً مقابل أي أجر يطلبه، فاعتذر الشيخ خوفاً من أن يمس أسطوانة القرآن سكران أو جُنُب. ومع تمتع الشيخ بحس مرهف ومشاعر فياضة، كان أيضاً إنساناً في أعماقه، يهتزّ وجدانه هزّاً عنيفاً في المواقف الإنسانية، وتفيض روحه بمشاعر جياشة لا تجد تعبيراً عن نفسها إلا في دموع خاشعات تغسل ما بالنفس من أحزان؛ فقد حدث أن ذهب لزيارة أحد أصدقائه المرضى، وكان في لحظاته الأخيرة، وعند انصرافه أمسك صديقه بيده ووضعها على كتف طفلة صغيرة، وقال له: “تُرى، من سيتولى تربية هذه الصغيرة التي ستصبح غداً يتيمة؟”، فلم يتكلم محمد رفعت، وفي اليوم التالي كان يتلو القرآن في أحد السرادقات، وعندما تلا سورة الضحى، ووصل إلى الآية الكريمة: “فَأَما الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَر”، ارتفع صوته بالبكاء وانهمرت الدموع من عينيه كأنها سيل؛ لأنه تذكر وصية صديقه، ثم خصص مبلغاً من المال لهذه الفتاة حتى كبرت وتزوجت. وعُرف عنه العطف والرحمة، فكان يجالس الفقراء والبسطاء، وبلغت رحمته أنه كان لا ينام حتى يطمئن على فرسه، ويطعمه ويسقيه، ويوصي أولاده برعايته، وهو إحساس خرج من قلب مملوء بالشفقة والشفافية والصفاء، فجاءت نغماته منسجمة مع نغمات الكون من حوله. كان منزله منتدى ثقافياً وأدبياً وفنياً، حيث ربطته صداقة قوية بمحمد عبدالوهاب، الذي كان يحرص على قضاء أغلب سهراته في منزل الشيخ بالسيدة زينب، وكثيراً ما كانت تضم هذه الجلسات أعلام الموسيقا والفن، وكان الشيخ يُغني لهم بصوته الرخيم الجميل قصائد كثيرة، منها: “أراك عصيّ الدمع”، أما عبدالوهاب فكان يجلس بالقرب منه في خشوع وتبتل، وتدور بينهما حوارات ومناقشات حول أعلام الموسيقا العالمية. وكان بكاءً بطبعه، يقرأ على الهواء مرتين أسبوعياً من خلال الإذاعة (يومي الثلاثاء والجمعة) مدة (45) دقيقة في كل مرة، والدموع تنهمر من عينيه. شاء الله أن يُصاب الشيخ محمد رفعت بعدة أمراض لاحقته وجعلته يلزم الفراش، وعندما يُشفى يعاود القراءة، حتى أصيب بمرض الفُواق “الزغطة” الذي منعه من تلاوة القرآن، بل ومن الكلام أيضاً؛ حيث تعرض في السنوات الثماني الأخيرة من عمره لورم في الأحبال الصوتية، منع الصوت الملائكي النقي من الخروج، ومنذ ذلك الوقت حُرم الناس من صوته، فيما عدا ثلاثة أشرطة، كانت الإذاعة المصرية سجلتها قبل اشتداد المرض عليه، ثم توالت الأمراض عليه، فأصيب بضغط الدم، والتهاب رئوي حاد، وكانت أزمة “الفُواق” تستمر معه ساعات. وحاول بعض أصدقائه ومحبيه والقادرين أن يجمعوا له بعض الأموال لتكاليف العلاج، فلم يقبل التبرعات التي جُمعت له، والتي بلغت نحو (20) ألف جنيه، وفضل بيع بيته الذي كان يسكن فيه في حي “البغالة” بالسيدة زينب، وقطعة أرض أخرى؛ لينفق على مرضه، عندئذ توسط الشيخ “أبو العنين شعيشع” لدى “الدسوقي أباظة” وزير الأوقاف آنذاك، فقرر له معاشاً شهريّاً، وشاء الله أن تكون وفاة الشيخ محمد رفعت في يوم الاثنين 9 مايو/ ايار ، 1950 نفس التاريخ الذي وُلد فيه، عن ثمانية وستين عاماً قضاها في رحاب القرآن الكريم.
عن الخليج الاماراتية
|
|
|