وأخيرا تأكدت اشاعات وتكهنات كانت سرت منذ أسابيع حول صفقات لبيع أراضي الدولة بمليارات الدنانير, بين مصدق ومشكك في غياب المكاشفة وتنامي فجوة الثقة بين صانع القرار والمواطن. يعمق هذه الحالة إعلام سطحي غير معني بتقصي الحقائق على نحو منهجي وموضوعي, ومجلس أمّة, في إجازة ربيع الآن, لكنه غاطس بالشؤون الفردية.
إذ تكشفت اليوم تفاصيل صفقة بين شركة تطوير العقبة, الذراع الاستثمارية لمنطقة العقبة الاقتصادية الخاصة, ومطور إماراتي لبيعه 200,3 دونم في واحدة من أغلى المناطق وأسرعها تطورا. وتأكدت أيضا أنباء أولية بأن الحكومة تجري مفاوضات مع مستثمرين خليجيين بهدف تحويل مئات الدونمات قيد الإنشاء, إلى مشاريع عقارية وعمارات مكتبية تكمل الطابع التجاري الجديد لهذه المنطقة الاستراتيجية.
وقبل أيام, ومن دون مقدمات, أعلن أمين عمان الكبرى عمر المعاني عن تفاهمات مع رئيس وزراء لبنان الأسبق الملياردير نجيب ميقاتي بشأن إقامة مجمع دوائر حكومية بكلفة مليار ونصف المليار دولار ضمن خطة استملاك 550 دونما على امتداد منطقة وادي عبدون لتطوير المنطقة الصاعدة ضمن مخطط شمولي للعاصمة.
بحسب الرواية الرسمية, تستهدف الصفقات البليونية- التي ظلت حيثيات التفاوض المتصلة بها طي الكتمان كي لا ترتفع التوقعات الشعبية قبل إتمامها- الحصول على مبالغ مالية تحتاجها الدولة لشراء ديون خارجية أو تطوير بنية تحتية لمرافق "حيوية" مطلوبة في بلد يسعى لاحتلال موقع على خارطة الدول العربية القادرة على استقطاب استثمارات خارجية, أو جذب شركات عالمية أو إقليمية تبحث عن موطئ قدم لمكاتب "إسناد ثانوية" تسمح لها بدخول سوق العراق المجاور, أو التمدد عبر سائر دول الإقليم.
فالأردن, الذي سبق دول المنطقة في تحرير اقتصاده, يظل من أكثرها أمنا واستقرارا, وهو معزز بشبكة طرق ورحلات طيران تجارية مع العراق, سورية وفلسطين. كذلك تعتقد العشرات من الشركات الأجنبية التي عقدت العزم على العمل من الأردن أن تكاليفها التشغيلية تظل أرخص بكثير من مستويات الأسعار في دول الخليج, وباستطاعتها استغلال الموارد البشرية المحلية المدربة.
في الحالة الأولى, وافق المطور الإماراتي (مجموعة شركات) على دفع 500 مليون دولار كدفعة مقدمة تقول الحكومة إنها ذهبت لتمويل شراء ما مجموعه 2.4 مليار دولار ديون تجارية للأردن لأعضاء في نادي باريس. (بينما كانت المملكة تفاوض نادي باريس لشراء ديونها بسعر خصم نسبته 11 كانت تراهن أيضا على إمكانية الحصول على منح من عدة دول خليجية تعين عمان على تخفيض عبء الدين على الموازنة العامة. تلك الجهود لم تثمر إذ أبلغت غالبية دول الخليج المسؤولين الأردنيين أنها لا تمانع في الاستثمار في العقار أو في شركات كالبوتاس أو الفوسفات بدلا من دفع أموال مباشرة لسداد دين المملكة, بحسب مسؤولين ودبلوماسيين.
سيعمل المطور على نقل ميناء العقبة من موقعه الحالي وسط المدينة إلى الشاطئ الجنوبي خلال خمس سنوات بكلفة عالية يتحملها واستبداله بمشروع عقاري يفترض أن يغير شكل المنطقة التحتية لتكون نسخة قريبة عن مشروع "السوليدير" التجاري/السكني وسط العاصمة اللبنانية. وستنشأ بالتوازي مشاريع شقق وفلل واسكانات في بعض المناطق القريبة المطلة لتشكل مركزا سكنيا وعقاريا جديدا. وسيوفر للخزينة نسبا معينة من العوائد من إجمالي الأرباح, بحسب أحد المسؤولين.
لتنفيذ صفقة "المؤسسة الحيوية في غرب عمان", البحث جار عن مطور لشراء مئات الدونمات واستثمارها لتصبح مقرات لشركات أجنبية أعلنت عن رغبتها بدء العمل من الأردن كقاعدة انطلاق للإقليم. المنطقة المعروضة للبيع تتضمن مكاتب قيد الإنشاء للقيادة العامة, ستنجز خلال أسابيع. يستطيع المطور تقسيمها وتأجيرها كمرافق جاهزة لهذه الشركات بينما يجري العمل على انشاء ومبان للمدينة الطبية في منطقة الماضونة, شرقي عمان خلال سنتين تغطيها نسب من عوائد بيع الأراضي بينما توضع البقية في صندوق أموال التخاصية وتستعمل لبناء وتمويل مشاريع استراتيجية, بحسب مسؤولين. في الأثناء, يبقى مقر القيادة العامة في منطقة العبدلي لعامين مقبلين لحين بناء مقر جديد في الماضونة.
وهناك مفاوضات جارية مع مستثمرين آخرين; الأول متمول سعودي لتطوير منطقة المفرق الاقتصادية الخاصة وتحويلها إلى مركز جذب استثماري محاذ للحدود مع العراق وسورية, والثانية مع مستثمرين إماراتيين لتطوير منطقة إربد التنموية لاحتضان تكنولوجيا المعلومات ومشاريع خدمات طبية متطورة.
فالأردن, محدود الموارد الذي يواجه تحديات اقتصادية مصيرية, بات بحاجة إلى أموال طائلة غير متوفرة لتحقيق لائحة مشاريع ضمن رؤيا "طموح بلا حدود" لتصب في خطط التحديث. تحتاج هذه الاستثمارات لإدامة نسب النمو الاقتصادي ومكافحة آفتي الفقر والبطالة التي تعمقت مع موجات رفع الدعم الحكومي وسط سباق عالمي عنوانه غلاء السلع الاستهلاكية.
استعمال أراضي الخزينة في دفع كلفة تحديث وتنويع المنتج الاقتصادي يقع ضمن استراتيجية جديدة لتطوير الاقتصاد وإطفاء الدين العام ضمن شراكة بين الدولة ومطورين عرب وأجانب في معادلة مربحة للطرفين.
الحكومة من جهتها تجتهد للتعاطي مع تحديات واحتياجات لا تقدر على تمويلها بالاعتماد على مصادر تقليدية كالضرائب والمنح مثلا.
في هذه الحالة يبقى الافتراض ضمن خانة حسن النوايا الرسمية لمحاكاة المصلحة الوطنية بانتظار أن تثبت الشهور والسنوات المقبلة صدقية النوايا عندما يذوب الثلج ويظهر المرج.
وفي الذاكرة جدل مستمر حول مشاريع نفذت خلال السنوات الماضية وأصول بيعت بأسعار بخسة, منها رخصة أمنية للاتصالات وأسهم البوتاس والفوسفات وقضايا اخرى تتصل بتفويض أراضي الخزينة أو القيام باستملاكات عنوانها المنفعة العامة سرعان ما تحولت للمنفعة الخاصة ومشاريع عقارية غامضة, وأخيرا تكشفت صفقة "كازينو البحر الميت" التي تم إفشالها. الإجابات الرسمية المتصلة بتلك الصفقات الغامضة ما زالت غير مقنعة للرأي العام, رغم أن ملفاتها أغلقت على المستوى الرسمي وتمت غالبية إجراءاتها حسب القانون.
الحكومة الحالية, التي تدير المفاوضات مع هؤلاء المستثمرين/المطورين, تتحدث عن حجج مقنعة تعززها ضرورات واقعية وملحة خاصة في مجتمع يعاني من بطالة هيكلية ومقنّعة. يفاقم حاجة الدولة للتمويل الخارجي حالة استرخاء جزء كبير من الشعب, بينما يتغاضى الكثيرون عن المثل الشعبي: "على قد فراشك مد رجليك", بعد عقود من سياسات رعوية غذّتها سابقا مساعدات الدول النفطية.
السرية كانت مطلوبة لكي لا يحبط الرأي العام من جرّاء رفع سقف التوقعات كما حصل سابقا أو لأن الحكومة تضطر أحيانا للحديث مع عدد من المطورين في آن واحد ومن دون علم الآخر, لكي تضمن الحصول على أفضل الشروط والأسعار, حسبما يبرر أحد كبار المسؤولين.
في هذه الاثناء تستمر شكاوى أصحاب رؤوس الأموال المحلي من إبقائهم خارج الملعب الاستثماري كشركاء في عملية التطوير العقاري الذي بات وكأنه حكرا على الأجانب والعرب, بالاتكاء على قروض بنكية محلية كما حصل في عدد من الحالات. وتتعمق مشاعر استياء يثيرها شراء معالم وطنية لها تاريخها, للاستفادة منها من دون مراعاة للذاكرة الشعبية. وتتنامى مخاوف من أن كل شيء أضحى قابلا للبيع في الدول التى اختارت سكّة العولمة الاقتصادية.
لمواجهة هذه المخاوف المشروعة, المطلوب من جميع من لهم علاقة بالاستثمارات التشاركية- لاسيما الحكومة وأمانة عمان الكبري- مراعاة أكبر قدر من الشفافية من خلال طرح عطاءات علنية على أسس تنافسية واضحة للجميع. صحيح أن العديد من العطاءات المعلنة ثبت أنها فصّلت لبعض المتنفذّين, لكن على الأقل تلك الطريقة كانت أكثر شفافية من الإيحاء وكأن الأمور تجري من تحت الطاولة الآن.
كذلك على هذه الأطراف إقناع الجمهور المشكّك بأنها تعمل لما فيه مصلحة البلد ونمائه وازدهاره وأنها تبيع الأراضي المملوكة للخزينة بأسعار عادلة وأن العوائد ستذهب للخزينة بطريقة شفافة وبحسب آلية واضحة, بما يعود بالنفع على جميع الأردنيين. يبقى الأهم إقناع رجل الشارع لأردني بعدم وجود خطط منهجية لفكفكة أصول الدولة وبيعها.