في إحدى أيام أيّار من العام .1967. الجندي محمود محمد الحكوم يختم صلاته بالدعاء بالفوز بإحدى الحسنيين.. يمدّ بصره صوب القدس، وفي عينيه لهفة اللقاء ويهمس يا قدس أنا قادم.
تستغرب زوجته الصالحة شريفة ذياب /أم محمد / هذه المناجاة الباكرة تطمئن عن أحواله، فيحيطها ببصره وحنانه المعهود ويستحلفها أن تدعو له بنيل الشهادة على أسوار مدينة الشهادة! تكفهرّ زوجته وتنفر، ثم تعاودها سكينة الإيمان فتقترب منه من جديد وتعاونه على ارتداء بزّته العسكرية..
وتبادر ببعض لمسات العناية إيماءً بعودة المودّة، تبعث له بابتسامة، فدعوة صادقة إن شاء الله تنالها، وتكرر إن شاء الله تنالها.
حين غادر الشهيد..
في غضون ساعات كان محمود يخيّم من حول الأرض المباركة، وفي غضون أسبوعين كانت روحه تحلّق فوق الحرم والصخرة جذلة بالشهادة، وفرحة باستقرارها في فناء أرض باركها الله وبارك ما حولها.
وهكذا كان موعد محمود وروحه مع فلسطين، التي لبث فيها 41 عاماً وأكثر في فناء القدس المبارك، وفي بلدة عناتا بالتحديد.. والدي كان بين أهله في فلسطين واليوم عاد لأهله في الأردن، هكذا كثّف أكبر أبناء الشهيد، محمد محمود الحكوم، عودة رفاة والده.. محمّد يرفع بصره صوب صورة أبيه التي تجاور صور الملوك الهواشم ثمّ يطلق نفساً حرّى ويتأسّف: حين مضى البطل لم أكن أعي معنى الشهادة، أمّا اليوم فأنا أُكبر شجاعته وإيمانه، وأُجل ذكراه على الشعور الذي أهداني إياه مدى الحياة إذ جعلني ابن شهيد.
ولمّا عاد الشهيد:
عن نيسان هذا العام، تقول لنا أم محمّد في يوم استقبال الشهيد بعد طول غياب: من الصعب أن أصف مشاعري ، أستطيع أخيراً أن أقرأ له الفاتحة أمام قبره، لقد طالت غيبته ودامت عمراً؛ 41 عاماً! لم أكن أصدّق أنه سيعود.. لقد احترت حين رأيت رفاته.
لم تعرف أم محمود التي أتعبها الانتظار هل تحزن أم تفرح، هل تبكي أم تزغرد، جمعت بين أضداد المشاعر وأفرجت عن ربع ابتسامة واصفة يوم عودته كان يوم حزني وفرحتي.
الملك يعود أسرة الشهيد:
جلالة الملك توسط امس أهل الشهيد الحكوم، في زيارة اطمئنان ومحبة خالصة.. التفت الأسرة حول الملك الأب، الذي مسح همومهم بلفتاته الحنونة.. احتضن أحفاد الشهيد وصافح إخوانه، وأكّد التزامه والتزام كل مؤسسات الدولة بضمان كريم عيش أسر الشهداء، وواسى الأسرة بأن مصابها فخر الأردنيين جميعاً وأن الشهادة وعدهم ونصرهم ونصيبهم في الدفاع عن الأمة والذود عن ترابها، وقال واجبنا أن نكرم من أكرمهم الله أبداً.
في معنى الشهادة:
مع اقتراب ذكرى جرح حزيران الغائر تطلّ علينا هذه الملحمة الأردنية في صوفيّة حب القدس وما حولها، ويبشرنا حرصٌ والتزامٌ ملكي برعاية شهداء الأمّة من أبناء الوطن بأن الأردن باق على عهد الوفاء: للقدس، للأقصى وللصخرة، للمهد وللقيامة. قصة شهيد الوطن والأمّة الجندي محمود الحكوم حكاية أخرى في سجل الدماء والوفاء للقدس ولفلسطين وللأمة. فسلام على روحه الطهور...