يقصد بعض زوار وزائرات حوض “أسماك النون”، الشهير بالمعلمة الأثرية شالة في الرباط، ويرمون فيه بالقطع النقدية الصغيرة وفتات البيض لتحقيق أحلامهم وجلباً للحظ السعيد.ويرمي هؤلاء الزوار بنقودهم مع ترديد أمانيهم التي عجزوا عن تحقيقها، في حين أن زائرات يغتسلن من ماء الجدول لطرد النحس عنهن وللعثور على عريس أو لعلاج العقم.
وأكد أخصائي نفسي أن نوعاً من الطمأنينة قد يحصل لزوار حوض النون بسبب الإيحاء الداخلي، واصفاً مثل هذه السلوكيات بأنها تفكير بدائي يؤشر على ضعف الإيمان.
ويوجد حوض أسماك النون وسط القلعة التاريخية شالة، ويأتيه عشرات الزوار يومياً للتأمل في أسماك النون الصغيرة التي يشبه شكلها الأفاعي، الأمر الذي أعطاها تلك الصفة الأسطورية والخارقة لدى البعض.
التبرك بالحوض
بوابة شالة بالرباط
وليس كل من يزور حوض النون يعتقد بجلبه للحظ السعيد وتحقيق الأماني والرغبات، لكن هناك من الزائرين من يحرصن على رمي القطع النقدية وفتات البيض والاستحمام بماء الجدول الذي يجري خلف الحوض لتحقيق أحلامه الشخصية.
وقالت فوزية، إحدى الزائرات المواظبات لحوض النون، إنها ترمي خلال كل زيارة بعض القطع النقدية الصغيرة وبفتات البيض المسلوق من أجل تغذية أسماك النون، حتى تستقيم أمور حياتها لأنها في نهاية عقدها الثالث ولم تحظ بفرصة الزواج بعد.
أما صديقتها مريم التي كانت ترافقها فلها هدف آخر من زيارتها لحوض النون، حيث تختلي رفقة نساء أخريات بين الأشجار ليغتسلن من ماء الجدول خلف حوض الأسماك، وذلك بنية الحصول على حمل يُبعد عنها نظرات الشفقة من جاراتها.
ولم تُخْف الفتيات اللواتي كن يلقين بعض القطع النقدية في الحوض ـ حيث تسبح أسماك النون بسلاسة ـ أن غايتهن هو جلب الحظ السعيد في حياتهن، فإحداهن لم تحظ بعد بأي فرصة مناسبة للشغل رغم عشرات طلبات العمل التي قدمتها.
أما زائرة أخرى فترجو “طرد النحس الذي يلازمها في كل خطوة في حياتها”، على حد تعبيرها، وتتمنى تحقيق طموحاتها الشخصية التي ما فتئت تنكسر على صخرة الواقع المرير الذي تعيشه.
وتستفيد المرأة المسنة، حارسة الحوض، من رواج الزوار الذين يحضرون بكثافة إلى هذا الموقع الأثري خاصة يوم الجمعة لكون الولوج فيه يكون مجاناً بخلاف الأيام الأخرى.
ومرد استفادتها أنها تبيع الشموع التي تشعلها النساء تبركاً من ساكني الحوض، كما تبيع البيض المسلوق الذي يعد طقساً من طقوس التبرك بتلك البركة من الماء عند بعض الزوار.
وتقول الحارسة: لماء الحوض بركة ربانية تجعل أمنيات الزوار تتحقق، باعتبار أن عدداً من النساء العاقرات رُزقن بولد، وأخريات عانسات تزوجن بعد زياراتهن المتكررة لهذا الحوض الأسطوري.
القرابين وبدائية التفكير
حوض النون حيث ترمي الفتيات النقود طلبا للحظ السعيد
وتعليقاً على هذه السلوكيات وتفسير تحقق بعض الأماني لزوار الحوض يعتبر الدكتور عبدالمجيد كمي، أخصائي العلاج النفسي، أن ذلك يعود إلى الإيحاء النفسي الذي يسيطر عليهم.
وأوضح كمي في حديث لـ”العربية.نت” أن جو الطمأنينة الذي يحصل للزائر لذلك المكان يجعله أكثر راحة وهدوءاً، فتتحسن أحواله مما يظنه تحققاً لأمانيه بزيارته للحوض.
ويضيف المحلل النفساني أن هذه الطمأنينة تتأتى لدى البعض من خلال العلاقة العضوية والمادية بين الشخص الزائر وبين من يطلب مساعدته لتحقيق رغباته وأمنياته.
ويؤشر الشخص على تلك العلاقة العضوية برمي النقود أو فتات البيض، وكأنه ـ برأي هذا الزائر ـ يمنح قرباناً لأسماك النون وللمخلوقات التي تسكن الحوض لتمكينه من الوصول إلى هدفه.
وشبه المتحدث هذه السلوكيات بما كانت تقوم به الشعوب البدائية في أمريكا الجنوبية من تقديم القرابين، مثل امرأة جميلة أحياناً، للبراكين المحيطة بهم حتى لا تنشط وتثور عليهم بالحمم النارية.
ووصف كمي مثل طريقة هذا التفكير لدى من يرمي النقود في حوض النون طلباً للحظ السعيد بالتفكير البدائي الذي يبرز ضعف إيمانه لأنه يربط مصيره بيد شيء خرافي ولا هوية له.
ويُرجع المعالج النفسي أصل هذه التصرفات والاعتقادات إلى فترة الاستعمار الفرنسي للبلاد، حيث دخلت معتقدات معينة ترتبط بالكنيسة الغربية في تلك الفترة التاريخية.
وخلص كمي إلى أن ما يحدث في حوض النون بشالة يشبه إلى حد بعيد ما يحدث في الأضرحة حين يتمسح بها البسطاء والجاهلون، ويعلقون أقمشتهم على الأشجار التي تحيط بتلك الأضرحة طلباً للعون.